تتزاحم شاشات الأرقام الحمراء المعبّرة عن بورصات الطاقة، مع خرائط المعارك والانتشار العسكري، داخل أروقة اتخاذ القرار في واشنطن.
فقد أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثامن والعشرين من فبراير عملية عسكرية واسعة النطاق، أُطلق عليها اسم عملية الغضب العارم، استهدفت بشكل مباشر ومحدد تدمير البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب القضاء على منظومة الصواريخ الباليستية، وتحييد القوة البحرية، وقطع أذرع طهران الإقليمية في الشرق الأوسط.
وفي حين تشير التقارير الميدانية والبيانات الاستخباراتية المتدفقة إلى تقدم عسكري يرضي الرئيس وإدارته، بدأت ساحة أخرى للمعركة تفرض نفسها بقوة على المشهد وتستحوذ على المساحة الأكبر من تفكير ترامب. وهي ساحة خالية من الصواريخ ومليئة بالمؤشرات الاقتصادية، وتتمثل في أسواق النفط العالمية ومدى استقرارها.
في المقابل اختارت طهران مسارًا بديلًا للرد يتمثل في محاولة خنق حركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي. وتهدف هذه الاستراتيجية الموازية إلى دفع أسعار النفط لمستويات قياسية تتجاوز قدرة ترامب الاقتصادية والسياسية على التحمل، في محاولة واضحة لتسليط ضغط عالمي متزايد على كل من واشنطن وإسرائيل لإجبارهما على وقف القصف الجوي المستمر.
وقد اكتسب هذا التهديد الاقتصادي واقعية مرعبة وميدانية مساء الأربعاء عندما تعرضت ناقلتا نفط لهجوم مباشر في مياه الخليج العربي. وإثر ذلك انتشرت مقاطع فيديو على السوشيال ميديا بسرعة فائقة تظهر حريقًا هائلًا يلتهم إحدى الناقلات في المياه العراقية، في حين نشرت وكالة رويترز صورًا ثابتة أكدت أن مصدرها هيئة الموانئ الحكومية العراقية، وهي توثق اشتعال النيران بشكل مدمر في إحدى السفينتين المستهدفتين.
وتزداد خطورة الموقف عند إدراك أن مياه الخليج العربي يمر عبرها ما يقارب خُمس إنتاج النفط العالمي المتجه للأسواق الكبرى. وتستهلك الصين والهند الجزء الأكبر من هذه الإمدادات الحيوية، ما يجعل الإدارة الأمريكية تدرك تمامًا أن أي انقطاع مستمر في هذه السلسلة سيخلق موجات ارتدادية قاسية تضرب كل الاقتصادات الكبرى حول العالم.
ونتيجة لذلك تحذر تقارير مستشاري ترامب صراحةً من احتمالية إطالة أمد الحرب العسكرية وتكبد خسائر سياسية فادحة إذا نجح النظام الإيراني في خطته لرفع الأسعار وتجفيف المعروض.
وفي هذا السياق ينقل موقع أكسيوس عن مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية قوله بوضوح تام إن «عبث الإيرانيين في المضيق يجعله أكثر تمسكًا بموقفه». ويعكس هذا التصريح حالة من العناد السياسي الممزوج بالقلق الاقتصادي العميق داخل المكتب البيضاوي. كما يؤكد أحد مستشاري ترامب هذا التوجه المزدوج قائلًا إن «الرئيس يرى الإحاطات. يرى الأرقام. ويشعر بالرضا حيال قراره من الناحية العسكرية». ويضيف المستشار ذاته لتوضيح الجانب الآخر من الصورة أن «النفط مسألة أخرى. لا أحد يشعر بالذعر، لكنه يمثل مصدر قلق. إنه يبذل قصارى جهده. هناك وفرة في النفط. المشكلة تكمن فقط في إيصاله إلى السوق».
تدخلات تاريخية وحرب أرقام
ورغم أن ترامب يحاول التقليل علنًا وفي تصريحاته من شأن المخاطر المادية المترتبة على عبور المضيق المشتعل، وكذلك من خطورة الحرب على مجمل الاقتصاد، فإن تحركاته الفعلية على الأرض تروي قصة مختلفة تعكس حجم الأزمة.
فقد نسق الرئيس يوم الأربعاء بشكل عاجل أكبر عملية سحب من احتياطيات النفط في التاريخ، حيث جرى ضخ 400 مليون برميل في الأسواق العالمية. ومن ضمن هذه الكمية 172 مليون برميل سُحبت مباشرة من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي في محاولة لتهدئة ذعر الأسواق. وتدرس واشنطن بالتوازي مع ذلك خططًا أمنية لتوفير مرافقة بحرية مسلحة للناقلات التي تعبر المضيق، إلى جانب التدخل لترتيب تغطية تأمينية لتلك السفن، وهو عامل حاسم لشركات الشحن الدولية التي تقيم المخاطر المرتفعة بشدة.
وهنا تتحدث لغة الأرقام بصوت مرتفع وحاسم في هذه الأزمة. إذ يفضل ترامب أن يستقر سعر برميل النفط عند مستوى 50 دولارًا لضمان استقرار الأسعار المحلية، بينما تفضل الصناعة النفطية حدًا أدنى يبلغ حوالي 60 دولارًا لضمان هوامش الربح. ورغم التدخل الرئاسي غير المسبوق بضخ ملايين البراميل، فقد تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار ليلة الأربعاء، وذلك بعد أن سجل قفزة سابقة وصلت إلى 120 دولارًا في وقت مبكر من الأسبوع نفسه. ومما زاد الأمر تعقيدًا أن إيران رفعت سقف التهديدات ملوّحة بدفع الأسعار إلى 200 دولار للبرميل.
وهذا الرقم يترجم وفقًا لتقديرات بعض المحللين الاقتصاديين إلى حوالي 5 دولارات للغالون الواحد في محطات الوقود أمام السائقين الأمريكيين.
الارتدادات السياسية وسباق الانتخابات
وعلى الصعيد الدبلوماسي نجحت الهجمات الإيرانية المتكررة على دول الخليج في توحيد دول المنطقة ضد طهران حتى هذه اللحظة. وقد شهدت أروقة الأمم المتحدة يوم الأربعاء تحركًا دبلوماسيًا واسعًا أثمر عن تبني 135 دولة لقرار يدين بشدة الضربات الانتقامية للنظام الإيراني، في رقم قياسي يعكس الإجماع الدولي.
وعلى العكس من ذلك يبدو الوضع داخل الولايات المتحدة مغايرًا ومثيرًا للقلق بالنسبة للإدارة. فالحرب تواجه معارضة شعبية واسعة النطاق، وتسجل معدلات التأييد الشخصي لترامب مستويات متدنية تاريخية أو تقترب منها.
هكذا تحولت أسعار البنزين المنخفضة التي كانت يومًا ما أبرز إنجازات ترامب الاقتصادية التي يفاخر بها إلى نقطة ضعفه الأكثر وضوحًا وتهديدًا أمام الناخبين.
ورغم هذه الضغوط المتصاعدة يصر المحيطون بالرئيس على تصدير صورة التفاؤل والسيطرة.
فقد صرح مستشار آخر لترامب موضحًا الموقف بقوله إن «الرئيس متفائل بنجاح العملية حتى الآن، ويشعر أن البلاد ستدرك أنه كان على حق، كالمعتاد، بمجرد انتهاء الأمر وتحقيق الأهداف بالكامل».
وحول الارتفاع المقلق في أسعار الوقود للمواطن الأمريكي أوضح المستشار ذاته أن ترامب «ليس متفاجئًا على الإطلاق بارتفاع الأسعار، لقد توقع ذلك تمامًا».
ويضيف المستشار بنبرة تؤكد التركيز على الاستحقاقات الانتخابية أن الرئيس «يعتقد بصدق، كما يفعل الكثيرون في البيت الأبيض، أن أسعار الغاز ستنخفض بشكل كبير عندما ينتهي هذا الأمر، وقبل وقت كافٍ من الانتخابات النصفية بحيث لن تشكل مشكلة».
في النهاية تقف الإدارة الأمريكية الآن أمام سباق مع الزمن ومع قوى السوق لمحاولة السيطرة على الأسعار قبل أن تلتهم نيران النفط المكاسب العسكرية المحققة. ويلخص أحد المقربين من ترامب والذي تحدث معه هاتفيًا مؤخرًا المشهد الراهن المعقد بعبارة دقيقة قائلًا «لا أستطيع القول إنه يبحث عن استراتيجية خروج. لكنه لا يريد أن يستمر هذا الأمر لفترة أطول مما ينبغي».













