لطالما ارتبط ارتفاع مستوى سطح البحر في أذهان كثيرين بذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية القطبية، إلا أن دراسة علمية حديثة تشير إلى أن العامل الأكثر تأثيرًا قد يكون أقل شهرة، ويتمثل في التمدد الحراري لمياه المحيطات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة العالمية.
وأظهرت مراجعة شاملة للبيانات المناخية أن معدل ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي لا يواصل الزيادة فحسب، بل يتسارع أيضًا بوتيرة ملحوظة، مدفوعًا بشكل رئيسي بارتفاع حرارة المحيطات وتمدد مياهها.
كيف تتمدد المحيطات؟
عندما ترتفع درجة حرارة المياه، تزداد المسافات بين جزيئاتها، ما يؤدي إلى تمددها واحتلالها حجمًا أكبر، وتُعرف هذه العملية باسم "التمدد الحراري"، وهي ظاهرة فيزيائية تحدث تدريجيًا لكنها تؤثر في جميع محيطات العالم.
ورغم أن هذا التوسع لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي يحظى به ذوبان الجليد، فإن نتائجه تتراكم على مدى عقود لتصبح أحد أبرز أسباب ارتفاع مستوى سطح البحر.
حل لغز حيّر العلماء
اعتمد فريق دولي من الباحثين على إعادة تحليل بيانات تمتد من عام 1960 حتى عام 2023، مستفيدين من سجلات مقاييس المد والجزر والأقمار الصناعية وعوامات مراقبة المحيطات المعروفة باسم "أرجو".
وكان الهدف من الدراسة تحقيق ما يُعرف بـ"موازنة ميزانية مستوى سطح البحر العالمي"، أي التأكد من أن العوامل المعروفة لارتفاع مستوى البحر تفسر بالفعل الارتفاعات المرصودة على أرض الواقع.
ولسنوات طويلة، واجه العلماء فجوة بين الارتفاع المقاس لمستوى سطح البحر وبين ما يمكن تفسيره من خلال العوامل المختلفة مثل ذوبان الجليد وارتفاع حرارة المحيطات، إلا أن التقدم في تقنيات الرصد والتحليل ساعد أخيرًا على تضييق هذه الفجوة وتحسين فهم الظاهرة.
أرقام تكشف تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر
تشير نتائج الدراسة إلى أن متوسط مستوى سطح البحر العالمي ارتفع منذ عام 1960 بمعدل 2.06 مليمتر سنويًا.
لكن المثير للقلق أن هذا المعدل لم يبق ثابتًا؛ فخلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2023 ارتفع المعدل إلى 3.94 مليمتر سنويًا، أي ما يقارب ضعف المتوسط المسجل خلال العقود السابقة.
ويعكس هذا التسارع التأثير المتزايد لظاهرة الاحتباس الحراري على المحيطات والأنهار الجليدية في مختلف أنحاء العالم.
من المسؤول عن الارتفاع؟
كشفت الدراسة أن التمدد الحراري للمحيطات الدافئة يمثل العامل الأكبر المساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر، إذ بلغت مساهمته نحو 43% من إجمالي الارتفاع المسجل.
وجاءت الأنهار الجليدية الجبلية في المرتبة الثانية بنسبة 27%، تلتها الصفائح الجليدية في جرينلاند بنسبة 15%، ثم الصفائح الجليدية في القارة القطبية الجنوبية بنسبة 12%.
أما النسبة المتبقية، والبالغة 3%، فترتبط بالتغيرات في مخزون المياه على اليابسة، بما في ذلك الخزانات وأنظمة الري واستخدامات المياه المختلفة.
لماذا أصبحت القياسات أكثر دقة؟
يعزو الباحثون هذا التقدم إلى التطورات الكبيرة في تقنيات جمع البيانات، خاصة الأقمار الصناعية الحديثة التي وفرت صورًا أكثر دقة لحجم فقدان الجليد حول العالم، إضافة إلى التحسينات المستمرة في النماذج المناخية وأساليب تحليل البيانات.
كما ساعد الجمع بين مصادر متعددة للبيانات على تقليل الأخطاء وتحسين موثوقية التقديرات الخاصة بارتفاع مستوى سطح البحر وأسبابه المختلفة.
آثار تمتد إلى جميع سكان الأرض
يحذر العلماء من أن ارتفاع مستوى سطح البحر سيستمر خلال العقود المقبلة حتى في حال خفض الانبعاثات بشكل سريع، إذ تشير النماذج المناخية إلى أن المحيطات ستواصل امتصاص الحرارة والاحترار لعقود طويلة.
ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على المناطق الساحلية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي وأنماط توزيع السكان، كما يُتوقع أن تتعرض ملايين الأرواح وسبل العيش لمخاطر متزايدة مع استمرار ارتفاع المياه.
ويرى الباحثون أن الحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري يظل العامل الأكثر أهمية لتقليل حجم الأضرار المستقبلية، مؤكدين أن الفهم الدقيق لأسباب ارتفاع مستوى البحر يمثل خطوة أساسية لمواجهة واحدة من أبرز التحديات المناخية التي يواجهها العالم.
اقرأ أيضًا:
قرار ترامب يهدد أحد أهم مصادر البيانات المناخية والبحرية














