منذ عام 2015، ظلت "مبادرة مراصد المحيطات" ترصد نبض المحيطات على مدار الساعة عبر شبكة تضم أكثر من 900 مستشعر موزعة بين سواحل الولايات المتحدة والمحيط الهادئ والأطلسي، وقد تحولت هذه الشبكة، التي بلغت كلفتها 386 مليون دولار، إلى أحد أهم مصادر البيانات المناخية والبحرية في العالم. إلا أن قرارًا أمريكيًا بتقليص تمويل المشروع يضع اليوم جزءًا كبيرًا من هذا الإرث العلمي أمام الإغلاق.
وكانت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية "NSF" قد أعلنت الشهر الماضي خططًا لتفكيك معظم مكونات الشبكة وسحب أجهزتها من المياه قبالة أوريغون وواشنطن وألاسكا وكارولينا الشمالية وجرينلاند بحلول عام 2027، وفقًا لوكالة "أسوشيتد برس".
وخلال سنوات عملها، تابعت المراصد حركة المحيطات والنظم البيئية البحرية والتغير المناخي والظواهر الجوية المتطرفة، كما أُتيحت بياناتها مجانًا للباحثين وأسهمت في إعداد أكثر من 500 ورقة علمية، وكان من المفترض استمرار المشروع بين 15 و20 عامًا إضافية.
لماذا يثير إغلاق مراصد المحيطات الأمريكية قلق العلماء؟
أشارت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية في بيان لها إلى أن القرار لا يمثل إلغاءً للمشروع، بل "تقليصًا للنطاق" ضمن استراتيجية تهدف إلى دعم الأولويات العلمية المتغيرة والتقنيات الناشئة، إلى جانب إدارة البنية التحتية البحثية بصورة أكثر كفاءة، مضيفةً أن القرار استند جزئيًا إلى تقرير للأكاديميات الوطنية صدر عام 2025 بشأن مستقبل علوم المحيطات.
لكن باحثين شاركوا في بناء وتشغيل الشبكة يرون أن توقيت القرار يأتي في لحظة حساسة، فمن المتوقع وصول ظاهرة النينو إلى سواحل المحيط الهادئ هذا الصيف، في وقت تشهد فيه المياه قبالة كاليفورنيا موجة حر بحرية غير اعتيادية.
ويقول العلماء إن فقدان العوامات الراسية قبالة أوريغون وواشنطن، إلى جانب شبكة الطائرات الشراعية تحت المائية، سيحد بشكل كبير من القدرة على رصد ما يجري تحت سطح البحر، حيث تظهر أهم المؤشرات المرتبطة بعلوم المحيطات.
وقال إد ديفر، أستاذ جامعة ولاية أوريغون وأحد المشرفين على عمليات المبادرة في شمال غرب المحيط الهادئ، لوكالة أسوشيتد برس: "إنها خسارة فادحة للمعلومات"، موضحًا أن الأقمار الصناعية تستطيع رصد بعض البيانات السطحية مثل درجات الحرارة وتوزيع الكلوروفيل، لكنها لا توفر معلومات عن الظواهر التي تحدث في الأعماق، ومنها مناطق انخفاض الأكسجين.
الميزانية تتقلص
انطلقت المبادرة عام 2015 بعد أكثر من عقد من التخطيط والتطوير، وصُممت لتعمل لمدة تتراوح بين 25 و30 عامًا، ويشير ديفر إلى أن علماء المحيطات يرون أن رصد الإشارات المناخية المهمة يتطلب ما لا يقل عن ثلاثة عقود من البيانات المتواصلة، مضيفًا: "لقد وصلنا للتو إلى سجل العشر سنوات، والذي سيمنحك بعض التلميحات، ولكنه لن يستمر".
وسيستمر تشغيل جزء واحد فقط من المشروع، وهو شبكة الكابلات البحرية في قاع المحيط التي تديرها جامعة واشنطن، والتي توفر بيانات عن النشاط البركاني والزلزالي في شمال غرب المحيط الهادئ.
وكان العلماء قد لاحظوا مؤشرات مبكرة على القرار، بعدما تضمنت الموازنة المقترحة للإدارة الأمريكية لعام 2026 خفضًا بنسبة 55% في تمويل مؤسسة العلوم الوطنية، وجاء القرار الرسمي ببدء إغلاق أجزاء من المبادرة مطلع مايو.
وتولت إدارة المشروع "معهد وودز هول لعلوم المحيطات" بالتعاون مع جامعة واشنطن وجامعة ولاية أوريغون، إضافةً إلى شركاء سابقين من بينهم جامعة روتجرز ومعهد سكريبس لعلوم المحيطات.
وبلغت الميزانية السنوية للمبادرة نحو 48 مليون دولار، من دون احتساب تكاليف سفن الأبحاث، ووفقًا لديفر، كان المشروع يوفر عملًا مباشرًا لما بين 60 و70 شخصًا في المؤسسات المشاركة قبل بدء تخفيضات الميزانية عام 2025.
وقال ديفر: "إن ما يحدث مع مبادرة مراصد المحيطات ليس أمرًا استثنائيًا، هذا مجرد واحد من بين عدد من المرافق العلمية التي يتم تفكيكها في الوقت الحاضر، يبدو أن هذا يمثل نهاية للالتزام "الفيدرالي" تجاه البحث العلمي الأساسي، وهو الالتزام الذي خدم هذه الأمة بشكل جيد للغاية على مدار الـ70 عامًا الماضية".














