لم تعد العواصف الترابية والرملية مجرد ظاهرة مناخية موسمية تؤثر في مستوى الرؤية أو حركة النقل، بل أصبحت تحديا صحيا واقتصاديا وبيئيا واسع التأثير، في ظل تزايد معدلات التعرض للغبار وتدهور الأراضي واتساع نطاق التصحر في مناطق عدة من العالم.
ويعيد اليوم الدولي لمكافحة العواصف الرملية والترابية تسليط الضوء على حجم الأضرار المرتبطة بهذه الظاهرة، وأهمية تعزيز الجهود الدولية في مكافحة العواصف الترابية والحد من تداعياتها على صحة الإنسان والاقتصاد والبيئة.
نصف سكان العالم معرضون للغبار
وفقا لمؤشر أعدته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية، تعرض نحو 3.8 مليار شخص بين عامي 2018 و2022 لمستويات من التراب تجاوزت عتبة السلامة التي حددتها منظمة الصحة العالمية.
ويعادل هذا الرقم نحو نصف سكان العالم، كما يمثل زيادة بنسبة 31% مقارنة بالفترة بين عامي 2003 و2007، حين بلغ عدد المتعرضين نحو 2.9 مليار شخص، أي ما يعادل 44.5% من سكان العالم آنذاك.
ولم يقتصر التفاوت على أعداد المتعرضين، بل شمل أيضا مدة التعرض، التي تراوحت بين أيام قليلة في المناطق الأقل تأثرا، وتجاوزت 1600 يوم خلال خمس سنوات في المناطق الأكثر عرضة للتراب.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق التأثير الصحي للعواصف الترابية، خاصة مع استمرار التعرض لمستويات مرتفعة من الغبار لفترات طويلة.
154 مليار دولار في عام واحد
ولا تتوقف آثار العواصف الترابية عند الجانب الصحي، بل تمتد إلى خسائر اقتصادية كبيرة تطال قطاعات متعددة.
فقد قدرت دراسة حالة أجريت في الولايات المتحدة تكلفة التآكل الناجم عن التراب والرياح بنحو 154 مليار دولار خلال عام 2017، أي أكثر من أربعة أضعاف التكلفة المسجلة في عام 1995.
وشملت التقديرات التكاليف التي تحملتها الأسر، والخسائر المتعلقة بالمحاصيل، وتأثر طاقتي الرياح والشمس، والوفيات الناجمة عن التعرض للتراب الناعم، إلى جانب التكاليف الصحية المرتبطة بحمى الوادي والتأثيرات على قطاع النقل.
ورغم ضخامة هذا الرقم، أشارت الدراسة إلى أن التكلفة الحقيقية للعواصف الترابية قد تكون أعلى بكثير، في ظل غياب تقييمات وطنية موثوقة لعدد من الآثار الأخرى، مثل تأثيراتها على الطيران والدورة الهيدرولوجية وزراعة المراعي وبعض الأمراض.
وتكشف هذه التقديرات أن مكافحة العواصف الترابية لا تمثل قضية بيئية فقط، بل ترتبط أيضا بحماية الأنشطة الاقتصادية وتقليل الأعباء الصحية والاجتماعية.
السعودية الخضراء
في مواجهة التحديات البيئية، تمضي المملكة في تنفيذ مسار طويل الأجل يشمل التشجير، ومكافحة التصحر، واستعادة الأراضي المتدهورة، وحماية التنوع البيولوجي.
وفي عام 2021، أعلن ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إطلاق مبادرة السعودية الخضراء، بهدف تفعيل دور مختلف فئات المجتمع في العمل المناخي والبيئي، وتسريع انتقال المملكة نحو الاقتصاد الأخضر.
وتسترشد المبادرة بثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل في تقليل الانبعاثات الكربونية، وزراعة 10 مليارات شجرة في أنحاء المملكة خلال العقود المقبلة، وحماية 30% من المناطق البرية والبحرية.
كما تسلط المبادرة الضوء على التحديات البيئية التي تواجه المنطقة، ومن بينها ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض معدلات هطول الأمطار، والعواصف الرملية والغبارية، والتصحر.
ومن هذا المنطلق، تأتي جهود المملكة في التشجير واستعادة الأراضي ضمن مسار أوسع يدعم مكافحة العواصف الترابية والتحديات البيئية المرتبطة بها.
التشجير واستعادة الأراضي
يمثل التوسع في الرقعة الخضراء أحد أبرز مسارات مبادرة السعودية الخضراء، التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة خلال العقود القادمة.
ولتحقيق هذا المستهدف، أعلنت المملكة خارطة طريق لتعزيز جهود التشجير المستدام، استنادا إلى دراسة جدوى استمرت عامين، وشملت أكثر من 1150 مسحا ميدانيا، بالتعاون مع أكثر من 50 خبيرا.
وحققت المبادرة تقدما ملموسا على هذا المسار، مع زراعة أكثر من 95 مليون شجرة، وإعادة تأهيل 111 ألف هكتار من الأراضي المتدهورة، بما يزيد على مساحة 172 ألف ملعب كرة قدم.
كما التزمت المملكة بإعادة تأهيل أكثر من 74 مليون هكتار من الأراضي، ضمن جهودها لمكافحة التصحر وتدهور الأراضي وتعزيز استدامة الموارد الطبيعية.
ويأتي التشجير ضمن الحلول الطبيعية التي تعتمد على حماية الأنظمة البيئية وزيادة الرقعة الخضراء واستعادة الأراضي، بما يدعم جهود مواجهة التغير المناخي والتصحر.
أكثر من 80 مبادرة بيئية
تجاوزت مبادرة السعودية الخضراء مرحلة وضع الأهداف، لتتحول إلى إطار تنفيذي يضم أكثر من 80 مبادرة، باستثمارات بلغت قيمتها 188 مليار دولار.
وتتنوع هذه المبادرات بين التشجير، وحماية التنوع البيولوجي، وخفض الانبعاثات، وإنشاء المحميات الطبيعية، واستعادة المساحات الطبيعية الخضراء.
كما بلغت نسبة المناطق البرية المحمية 18.1% من إجمالي مساحة المملكة، فيما وصلت نسبة المناطق البحرية المحمية إلى 6.49%.
وتعكس هذه الجهود اتساع نطاق العمل البيئي في المملكة، بحيث لا يقتصر على مواجهة ظاهرة واحدة، بل يشمل معالجة مجموعة مترابطة من التحديات، من بينها التصحر وتدهور الأراضي والعواصف الرملية والغبارية.
استثمار في الصحة والاقتصاد
تكشف الأرقام العالمية أن العواصف الترابية أصبحت تحديا يتجاوز الحدود الجغرافية، إذ يتعرض لها مليارات الأشخاص، فيما تتحمل الاقتصادات خسائر واسعة نتيجة تأثيراتها على الصحة والنقل والزراعة والطاقة.
وفي المقابل، تبرز أهمية الانتقال من التعامل مع آثار الظاهرة بعد وقوعها إلى تعزيز الإجراءات طويلة الأجل، من خلال التشجير واستعادة الأراضي المتدهورة ومكافحة التصحر وحماية الأنظمة البيئية.
وفي اليوم الدولي لمكافحة العواصف الرملية والترابية، تعكس جهود المملكة عبر مبادرة السعودية الخضراء توجها نحو تحويل العمل البيئي إلى مسار استراتيجي يجمع بين حماية الإنسان والأرض ودعم التنمية المستدامة.
ومع استمرار زراعة الأشجار وإعادة تأهيل الأراضي وتنفيذ المبادرات البيئية، تواصل المملكة تعزيز جهود مكافحة العواصف الترابية والتصحر، ضمن رؤية تستهدف بناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال الحالية والمقبلة.













