يفتح النحل اليوم آفاقًا علمية وبيئية غير مسبوقة، بعدما نجح فريق بحثي دولي في استخلاص خيوط الحرير منه وإعادة تصنيعها مختبريًا كبديل حيوي مستدام للمواد البلاستيكية الضارة.
وفي وقت يغرق فيه كوكب الأرض في النفايات الصناعية، اتجهت الأنظار سابقًا نحو حرير العناكب، لكن التجارب الأخيرة كشفت عن سر خفي تمثل في قدرة النحل المذهلة على غزل خيوط فائقة المتانة.
النحل يُلبي الطموحات
وتسعى المراكز البحثية العالمية منذ عقود للوصول إلى بدائل حيوية تتفوق على الفولاذ في متانتها وخفتها، وهو ما جعل حرير النحل يتصدر المشهد الاقتصادي والعلمي كمرشح مثالي لتلبية هذه الطموحات.
وأوضح عالم البيولوجيا الجزيئية، أوران واسرمان، أن إنتاج الحرير في الطبيعة واسع جدًا؛ إذ تطور بشكل مستقل عبر 23 منشًأ منفصلًا في عالم الحشرات، ومن أبرزها الدبابير، والنمل، وفصائل النحل المختلفة.
وتستخدم الحشرات الحرير لبناء الأعشاش والشرانق للحماية؛ حيث يعتمد نحو 75% من الفصائل الخاصة بالنحل المنفرد على غزل هذه الشرانق لحماية يرقاتها من تقلبات الطقس وهجمات الدبابير الطفيلية الغازية.
ونجح مختبر "حرير العنكبوت" بجامعة يوتا في تطوير بروتوكول مبتكر غير تداخلي، يعزل ألياف الحرير مباشرة من فم يرقات النحل الأزرق، دون إلحاق أي ضرر ميكانيكي أو بيولوجي باليرقة النامية.
واستعان الفريق بنظام تربية متطور مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يحاكي تجاويف الأعشاش الطبيعية، مما أتاح مراقبة اليرقات بدقة، والتدخل الفوري لعزل الخيوط اللينة فور بدء عملية الغزل الطبيعية.
وعبر تقنيات الهندسة الوراثية المتطورة، تم إدخال الجينات المستهدفة في كائن دقيق مهندس لإنتاج بروتينات "الفيبروين"، ثم تجفيفها لتشكيل أغشية شفافة وقابلة للتنفس ومقاومة للميكروبات بشكل مذهل تماماً.
وتسمح هذه الأغشية المستحدثة وراثيًا بتبادل الغازات واحتفاظ الرطوبة، وهي الخصائص الطبيعية ذاتها التي يستخدمها النحل لحماية خلايا الحضنة في مستعمراته من عوامل الإجهاد والتقلبات المناخية والبيئية الخارجية.
وتمتاز المادة الناتجة بمرونة فائقة وقدرة على مقاومة الثقوب، مما يجعلها خيارًا واعدًا لصناعة مستلزمات الطب الحيوي، مثل الخيوط الجراحية المتقدمة، وسقالات هندسة الأنسجة البشرية، والمنسوجات التقنية.
ويتطلع الباحثون حاليًا لدمج بروتينات الحرير الخاص بالنحل مع مخاط أسماك "الجريث" البحرية العميقة، لإنتاج خامات هجينة خارقة تجمع بين متانة حرير العنكبوت ومرونة الحرير الحيوي المستخلص من فم اليرقات.
وتفرز أسماك الجريث لزوجة مذهلة تتمدد فورًا في المياه لسد خياشيم الأعداء، وتجفيف خيوطها البروتينية يمنح خصائص ميكانيكية فائقة تشبه تمامًا تلك المتواجدة في دروع حرير النحل المطور داخل المعامل الطبية.
يمثل هذا الإنجاز البيولوجي بداية ثورة حقيقية في قطاع المواد المستدامة؛ فالاعتماد على الطبيعة يمنح البشرية فرصة ذهبية للتخلص من الألياف الصناعية الملوثة، وفتح أسواق استثمارية واعدة في مجالات التكنولوجيا الطبية النظيفة.
ويؤكد واسرمان أن هذا النجاح يفتح الباب لدراسة حرير النحل عبر فصائل متعددة، كنحل العسل الأكثر مرونة، مما يمهد الطريق لإنتاج محتوى تجاري وطبي منافس ومصنّع بالكامل وراثياً.
ويعد التحول نحو استغلال ذكاء الطبيعة وهندسة الحشرات يثبت أن الحلول البيئية القادمة قد تكون مخفية في تفاصيل كائنات نراها يوميًا مثل النحل، بانتظار عقول تدرك قيمتها الاستثمارية الحقيقية.













