تشهد الكعبة المشرفة، غدًا الأربعاء، ظاهرة تعامد الشمس عليها عند لحظة الزوال، وذلك في تمام الساعة 12:26:44 ظهرًا بتوقيت مكة المكرمة، وتتجلى هذه الظاهرة، التي تكرر مرتين سنويا، بوضوح عندما تصل الشمس إلى زاوية 90 درجة فوق الأفق، لتصبح أشعتها عمودية تمامًا على الكعبة المشرفة، ويختفي معها ظل الكعبة وظلال الأجسام العمودية في مكة المكرمة والمناطق المحيطة بها بشكل شبه كامل.
التفسير الفلكي لتعامد الشمس على الكعبة
تحدث هذه الظاهرة الكونية نتيجة الحركة الظاهرية للشمس في السماء بين مداري السرطان والجدي، وهي حركة ناجمة عن ميل محور دوران الأرض حول شمسها بمقدار 23.44 درجة، وبسبب هذا الميل المحوري، يتقاطع مسار الشمس الظاهري مع خط عرض مكة المكرمة البالغ نحو 21.4 درجة شمالًا مرتين في العام، المرة الأولى تكون خلال رحلة الشمس نحو الشمال في أواخر شهر مايو، والمرة الثانية عند عودتها جنوبًا خلال شهر يوليو.
وفي الأيام التي تسبق التعامد الكامل أو تليه، تقترب الشمس بشكل كبير جدًا من الزاوية القائمة، مثلما يحدث في يوم 27 من مايو حين يبلغ ارتفاع الشمس 89.89 درجة بفارق ضئيل جدًا يعادل 6.6 دقائق قوسية عن التعامد التام، ما يمهد لليوم التالي الذي يسجل ارتفاعًا يصل إلى 89.94 درجة ليكون اليوم الأقرب للتعامد الكامل.
الجوانب الدينية والعلمية في تعامد الشمس على الكعبة
وتعد هذه الظاهرة الطبيعية من أقدم وأدق الوسائل الفلكية البسيطة التي تمكن ملايين البشر في المناطق التي تكون فيها الشمس فوق الأفق من تحديد اتجاه القبلة بدقة متناهية دون الحاجة إلى استخدام أجهزة أو حسابات معقدة، وتعتمد طريقة الاستفادة من هذا الحدث على وضع جسم رأسي مستقيم على سطح مستوٍ تمامًا قبل وقت التعامد بمدة وجيزة، وعند حلول لحظة التعامد، يشير الظل الناتج عن هذا الجسم الرأسي إلى الاتجاه المعاكس تمامًا لمكة المكرمة، بينما يكون اتجاه الشمس ذاتها هو اتجاه الكعبة بشكل مباشر.
وتزداد أهمية هذه الطريقة وسهولة تطبيقها في الدول العربية ودول الخليج العربي والمناطق متوسطة البعد عن مكة، حيث ترتفع الشمس عاليًا في السماء في ذلك الوقت، ما يتيح رصد الظلال بوضوح وسهولة بالغة لتصحيح أو تأكيد اتجاهات المحاريب والمساجد بدقة عالية.
وإلى جانب الفائدة الدينية والعملية المتمثلة في تحديد القبلة، تحمل ظاهرة التعامد أهمية علمية وتعليمية بالغة، فهي تعمل كأداة طبيعية حية يختبر من خلالها الفلكيون دقة الحسابات والنماذج الرياضية المستخدمة في تتبع حركة الأجرام السماوية وتحديد مواقعها بدقة متناهية.
كما تُستغل هذه المناسبة في تبسيط المفاهيم الفلكية المعقدة لطلاب العلم والمهتمين، مثل شرح الإحداثيات السماوية، وكيفية تعاقب الفصول، وتأثير ميل محور الأرض على الحياة اليومية، وبذلك، تظل ظاهرة تعامد الشمس فوق الكعبة حلقة وصل فريدة تجمع بين العلوم الكونية والعبادات اليومية، مجسدة عظمة النظام الكوني ودقة تقديره.













