فجرت سحب الدخان الكثيفة المنبعثة من مئات حرائق الغابات الكندية أزمة سياسية حادة بين الجارتين الشماليتين، بعد أن امتدت الملوثات لتغطي مساحات شاسعة من شمال الولايات المتحدة الأمريكية، إذ وصلت الحرائق في كندا حتى أمس السبت حوالي 955 حريقًا مشتعلًا، وفقًا لنظام معلومات حرائق الغابات الكندي، مع خروج غالبيتها عن السيطرة.
وفي رد فعل غاضب، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة على كندا، واصفًا ما يحدث بأنه غزو غير ضروري من الهواء الملوث وغير الصحي، ووجّه اتهامات مباشرة لأوتاوا بالإهمال المتعمد وعدم صيانة الغابات والأحراش بشكل صحيح، مؤكدًا أنه سيتواصل مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني للمطالبة بتفسير رسمي.
واستغلت الأطراف الجمهورية هذه الأزمة لإعادة إحياء مقترح ترامب المثير للجدل بجعل كندا ولاية أمريكية، وهو ما أثار استياء عارمًا لدى الكنديين ودفع بعضهم للدعوة إلى مقاطعة السفر جنوبًا، واقتراح تأجيل افتتاح جسر جوردي هاو الدولي المشترك.
رد كندي على أمريكا بسبب الحرائق
في المقابل، جاء الرد الكندي حازمًا على لسان رئيس مقاطعة أونتاريو، دوغ فورد، الذي وصف التهديدات الأمريكية بأنها عار وغير مقبولة، مذكرًا واشنطن بالدعم التاريخي الذي قدمته كندا في مكافحة حرائق كاليفورنيا وإعصار كارولينا الشمالية، ومطالبًا المشرعين الأمريكيين بإرسال الدعم والمساعدة بدلًا من التذمر والشكوى.
كما صرح بأن ولايتي ميشيغان وماساتشوستس الأمريكيتين، اللتين يقودهما الديمقراطيون، قد عرضتا المساعدة في مجال إخماد الحرائق باستخدام طائرات إطفاء الحرائق وعمليات الإنقاذـ، وفي الوقت نفسه، رفض فورد الانتقادات الموجهة لحكومته بشأن تعاملها مع الحرائق، مشيراً إلى أن أكثر من 150 فرقة إطفاء موجودة على الأرض تكافح الحرائق، إلى جانب أكثر من 80 طائرة إطفاء مائية ومروحية.
ومن جانبه، شدد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على أن مواجهة التغير المناخي هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق البلدين ولا تتوقف عند الحدود، وأكدت الحكومة الكندية، عبر نائبتها إليانور أولسزوسكي، أن أوتاوا استثمرت حوالي 12 مليار دولار كندي لاستدامة الغابات والوقاية من النيران، موضحة أن التنسيق مستمر بين البلدين بموجب اتفاقيات تاريخية لمكافحة الحرائق مبرمة منذ ثمانينيات القرن الماضي وأخرى منبثقة عن قمة مجموعة السبع لعام 2025.
هل تتحمل كندا مسؤولية الحرائق؟
ورغم اتهامات المشرعين الأمريكيين الذين أكدوا نفاد صبرهم بسبب ما وصفوه بالتقاعس الكندي المزمن ونقص الاستثمار في ترقيق الغابات، فإن خبراء البيئة والعلماء يرون المشهد من زاوية أكثر تعقيدًا، ويؤكد الخبراء أن الطقس والرياح لا يعترفان بالحدود الدولية، إذ تشتعل غالبية هذه الحرائق في مناطق كندية شاسعة ونائية يصعب اكتشافها أو السيطرة عليها مبكرًا، وبمجرد وصول الدخان إلى الغلاف الجوي، فإنه ينتقل حيثما تأخذه الرياح - وقد أثر الدخان الناتج عن حرائق الغابات الكبرى في الولايات المتحدة أيضًا على كندا في السنوات الأخيرة.
وتعزى القفزة الكبيرة في أعداد الحرائق، التي التهمت نحو 3 ملايين هكتار، إلى موجة الحر الشديدة التي ضربت شمال أونتاريو وانخفاض معدلات الأمطار، بالإضافة إلى الصواعق وتداعيات التغير المناخي العالمي الذي يخلق ظروفًا جافة تسهل انتشار النيران، ما يجعل تحميل كندا وحدها المسؤولية أمرًا غير دقيق علميًا.
وقد ألقت الأزمة بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية في البلدين، حيث تصدرت مدن أمريكية مثل ديترويت وشيكاغو ونيويورك قائمة أسوأ المدن عالميًا من حيث جودة الهواء، ما دفع السلطات لتوزيع أقنعة واقية وإلغاء الأنشطة الخارجية والمخيمات الصيفية وتأجيل الرحلات الجوية بسبب انعدام الرؤية التي حجبت حتى المعالم البارزة مثل تمثال الحرية.
ولم تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، بل امتدت المخاوف لتشمل نهائي كأس العالم المرتقب بين الأرجنتين وإسبانيا في ملعب ميتلايف المكشوف بنيوجيرسي، وهو ما دفع مسؤولي البيت الأبيض وفيفا لعقد اجتماعات مكثفة لمراقبة الوضع، وسط تفاؤل حذر من خبراء الأرصاد بأن تسهم الأمطار المتوقعة في تحسين الأجواء قبل انطلاق المباراة.
نكبة إنسانية في الشمال الكندي
بعيدًا عن صراعات السياسة، خلفت الحرائق مأساة إنسانية قاسية في الداخل الكندي، ولا سيما في شمال مقاطعة أونتاريو والساحل الغربي في كولومبيا البريطانية، واضطرت عشرات المجتمعات المحلية إلى الإخلاء الفوري والفرار عبر القوارب الصغيرة تحت وطأة ألسنة اللهب التي التهمت قراهم دون سابق إنذار.
ووصف قادة محليون من قبيلة نامايغوسيساجاجون الوضع بكارثة حقيقية بعد أن تحول مجتمعهم بالكامل إلى رماد وسُوّي بالأرض، في حين اعتبر المسؤولون الكنديون نجاح عمليات الإخلاء لعشرة مجتمعات دون تسجيل وفيات أو إصابات مباشرة بمثابة معجزة حقيقية، وسط استمرار جهود الإغاثة واستضافة الفارين في مدن الجنوب.














