تشير تطورات الحرب المرتبطة بإيران إلى احتمال أن تتحول الأزمة إلى فرصة استراتيجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذا أدى انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى تخفيف الضغوط المفروضة على موسكو في الحرب الدائرة في أوكرانيا.
فخلال أكثر من ربع قرن في السلطة، أظهر بوتين أن سياساته الخارجية تقوم على استغلال الأزمات الدولية لتعزيز النفوذ الروسي. ورغم هذا السجل، ما زال بعض المسؤولين الأمريكيين يتعاملون مع خطاب الكرملين بقدر من الثقة. ويُعد اعتقاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن بوتين يسعى فعليًا إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا أحد أبرز نقاط الخلاف، في ظل معطيات عديدة تشير إلى أن موسكو لا تزال متمسكة بأهدافها العسكرية.
بوتين المستفيد الأكبر من حرب إيران
تواجه إدارة ترامب حاليًا احتمال الوقوع في خطأ مشابه مرة أخرى. ففي الوقت الذي تتحدث فيه تقارير إعلامية عن أن روسيا تساعد في تحديد الطائرات المسيّرة التي تهدد القوات الأمريكية في سياق الحرب المرتبطة بإيران، تدرس واشنطن في المقابل تخفيف بعض العقوبات التي فرضت على موسكو بهدف تقويض قدراتها العسكرية في أوكرانيا. ويأتي هذا التوجه أيضًا في إطار محاولات الإدارة الأمريكية التعامل مع الضغوط السياسية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط.
وقد يؤدي هذا الوضع إلى نتيجة مفارِقة تتمثل في أن يصبح بوتين أحد أبرز المستفيدين من تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط، خاصة إذا أدى التصعيد العسكري إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط.
وأوضح خبير الطاقة الحائز على جائزة بوليتزر، دانيال يرجين، أن الرئيس الروسي أبدى ارتياحه لارتفاع أسعار النفط خلال اجتماع عُقد في الكرملين قبل أيام. وقال يرجين، نائب رئيس مجلس إدارة شركة ستاندرد آند بورز غلوبال، إن بوتين يعد حتى الآن من أكبر المستفيدين من التطورات الأخيرة، لأن ارتفاع أسعار النفط يوفر موارد مالية إضافية يمكن أن تُستخدم في تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا، في وقت يجري فيه الحديث داخل الولايات المتحدة عن احتمال تخفيف بعض العقوبات المفروضة على صادرات النفط الروسية.
وتزامن ذلك مع تطور جديد في الاتصالات الأمريكية الروسية، إذ عقد مسؤول روسي رفيع المستوى اجتماعًا مع فريق ترامب في ولاية فلوريدا. وشارك في اللقاء المبعوث الروسي كيريل ديميترييف إلى جانب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، إضافة إلى جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي، وجوش غرينباوم أحد كبار مستشاري البيت الأبيض. واكتفى ويتكوف بالقول إن الاجتماع تناول مجموعة من القضايا المختلفة، مضيفًا أن الطرفين اتفقا على استمرار التواصل.
وقبل هذا الاجتماع، حاول ويتكوف التقليل من أهمية تقارير تحدثت عن احتمال تقديم موسكو معلومات استخباراتية لإيران حول تحركات القوات والسفن والطائرات الأمريكية. وأوضح خلال مقابلة تلفزيونية أن روسيا نفت هذه الاتهامات أثناء مكالمة هاتفية جرت بين ترامب وبوتين، مشيرًا إلى أن الجانب الأمريكي تلقى هذا النفي. وفي السياق ذاته، قلل وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث من المخاطر التي قد تتعرض لها القوات الأمريكية نتيجة النشاط الروسي، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تواجه تهديدًا مباشرًا في هذا الإطار.
دعم روسي لإيران
لكن الصورة أصبحت أكثر تعقيدًا بعد تقارير كشفت أن روسيا تساعد إيران في تطوير تكتيكات استخدام الطائرات المسيّرة التي اكتسبتها خلال الحرب في أوكرانيا، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف أمريكية وخليجية. وأشار مسؤول استخباراتي غربي إلى أن هذا التعاون يمثل أحد أوضح أشكال التنسيق بين الدول المناهضة للولايات المتحدة.
كما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن موسكو تقدم دعمًا لإيران لا يقتصر على الطائرات المسيّرة فقط، بل يشمل أيضًا الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. وأوضح أن كييف أرسلت خبراء متخصصين في الطائرات بدون طيار لمساعدة القوات الأمريكية في مواجهة الطائرات الإيرانية من طراز "شاهد". ويعكس هذا التطور التأثير المتزايد للحرب الروسية الأوكرانية في تغيير طبيعة الصراعات العسكرية الحديثة، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على تهديد جيوش تمتلك تقنيات عسكرية متقدمة.
ويكشف الدور الروسي في هذا الملف عن استراتيجية أوسع يتبعها بوتين تقوم على استغلال الأزمات الدولية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات اتصال مع إدارة ترامب لتعزيز موقف موسكو في الملف الأوكراني. في المقابل، يسعى ترامب إلى إنهاء الحرب مع إيران بسرعة، خاصة مع تعقّد الوضع نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط. وقد أدى هذا التطور إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، ما شكل ضغطًا إضافيًا على الإدارة الأمريكية.
وفي محاولة لمعالجة هذه الأزمة، اتخذت واشنطن إجراءات تتعلق بسوق الطاقة العالمية. فقد ضغطت على الهند لتقليل اعتمادها على النفط الروسي بهدف زيادة الضغط على موسكو لإنهاء الحرب في أوكرانيا. لكنها منحت في الوقت نفسه إعفاءً مؤقتًا يسمح لبعض المصافي الهندية بشراء النفط من ناقلات روسية متوقفة عن العمل. وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الإدارة قد تدرس توسيع نطاق رفع العقوبات عن صادرات النفط الروسية. وأثارت هذه التصريحات انتقادات داخل الكونغرس، حيث دعا أعضاء ديمقراطيون في لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ إلى فتح تحقيق بشأن هذا التوجه.
ولا تقتصر استفادة موسكو المحتملة من الحرب في إيران على ارتفاع أسعار النفط. فقد أدى تركيز الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على الأزمة الجديدة في الشرق الأوسط إلى تحويل جزء من الموارد العسكرية والسياسية بعيدًا عن دعم أوكرانيا. كما يعاني الحلفاء الأوروبيون من توتر في علاقتهم مع إدارة ترامب بسبب تردد بعض الدول الأوروبية في المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. ويعد هذا الوضع من العوامل التي تخدم استراتيجية بوتين طويلة الأمد الرامية إلى إضعاف التماسك داخل حلف شمال الأطلسي.
خسائر روسية محتملة
في المقابل، قد تواجه السياسة الخارجية الروسية خسائر إذا أدى التصعيد إلى إضعاف النظام الإيراني أو سقوطه، لأن طهران تعد أحد أهم شركاء موسكو في مواجهة النفوذ الغربي. ومع ذلك، تملك روسيا عدة دوافع لتقديم الدعم لإيران. فقد تسعى موسكو إلى الرد على الدعم الاستخباراتي والعسكري الذي قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ بداية الحرب. كما أن إطالة أمد الصراع في الشرق الأوسط قد يقلل من قدرة واشنطن على الضغط على روسيا في مفاوضات السلام المتعلقة بأوكرانيا.
كذلك قد يؤدي استمرار تعطل طرق نقل النفط في الخليج إلى بقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، وهو ما يوفر موارد مالية إضافية لتمويل العمليات العسكرية الروسية. كما أن انشغال القوات الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط قد يفتح أمام موسكو فرصًا استراتيجية في مناطق أخرى.
وبالنسبة لإيران، يمثل التعاون مع روسيا دعمًا عسكريًا مهمًا، إذ يمنح طهران خبرات وتقنيات قد تساعدها في مواجهة القدرات الأمريكية والإسرائيلية. فخلال الحرب في أوكرانيا طورت موسكو تكتيكات تعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة في وقت واحد، وهو أسلوب يمكن أن يساعد إيران في محاولة اختراق الدفاعات الجوية الأمريكية والخليجية.
ورغم هذه الحسابات، يواجه بوتين تحديًا دقيقًا. فهدفه الرئيسي يظل تحقيق مكاسب في الحرب الأوكرانية، وهو ما يتطلب إطالة أمد المفاوضات السياسية لمنح القوات الروسية مزيدًا من الوقت للتقدم ميدانيًا. وفي الوقت نفسه، لا ترغب موسكو في الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة بسبب الملف الإيراني. ومع استمرار التوتر في أسواق الطاقة العالمية، قد تستمر هذه الاضطرابات لأسابيع حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز قريبًا. وقد زادت المخاوف بعد ظهور صور لناقلة نفط تحترق في الخليج عقب هجمات نسبت إلى إيران.
وفي حال لم تتمكن إدارة ترامب من احتواء التصعيد سريعًا، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها في حرب أطول وأكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، وهو سيناريو قد يمنح بوتين فرصة إضافية لتعزيز موقعه في الصراع الدائر مع الغرب.
اقرأ أيضًا:
تضارب في التصريحات الأمريكية حول نهاية حرب إيران.. لماذا؟
صراع المفاهيم.. كيف ترى أمريكا وإيران شكل نهاية الحرب؟
تداعيات سيناريو الإغلاق الكامل لمضيق هرمز













