انتقل التساؤل حول "ماذا لو غزا ترامب غرينلاند؟" من كونه مادة للسخرية السياسية في عام 2019 إلى فرضية جادة تخضع لمحاكاة "ألعاب الحرب" في مراكز الأبحاث العالمية منذ بداية ولايته الثانية في 2025.

وتكشف التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي في مطلع 2026، عن رغبة متزايدة في الاستحواذ على الجزيرة لأغراض "الأمن القومي"، مما دفع كوبنهاغن ونوك إلى إطلاق تحذيرات غير مسبوقة من أن أي تحرك عسكري سيعني نهاية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

وتثير هذه الفرضية المتطرفة قلقًا عميقًا في عواصم حلف الناتو، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمجرد صفقة عقارية "عبثية"، بل بتهديد مباشر لسيادة دولة عضو في الحلف ومبدأ الدفاع المشترك.

وفي هذا السياق، يتداخل الجدل القانوني حول "قانون صلاحيات الحرب" الأمريكي مع التعقيدات الجيوسياسية في القطب الشمالي، مما يجعل من فكرة الغزو العسكري زلزالًا قد يدمر تحالفات صمدت لأكثر من سبعة عقود في وجه القوى الشرقية.

احتمالات العمل العسكري في غرينلاند

يرى محللون عسكريون أن تنفيذ عملية غزو عسكري لجزيرة غرينلاند هو أمر "ممكن تقنيًا" بالنظر إلى التفوق العددي الكاسح للقوات الأمريكية المتمركزة بالفعل في قاعدة "بيتوفيك" الفضائية.

وتؤكد التقارير الميدانية أن القوات الدنماركية الموجودة في الجزيرة لا تمتلك القدرة على مواجهة هجوم شامل من القوة العظمى الأولى في العالم، مما يجعل السيطرة الجوية والبحرية على الموانئ والمطارات الرئيسية مسألة ساعات أو أيام قليلة في حال صدور أمر رئاسي بالتحرك.

وتصطدم هذه السهولة التقنية بتحديات لوجستية وطبيعية هائلة، إذ تجعل التضاريس الجليدية والظروف المناخية القاسية من العمليات البرية الواسعة استنزافًا هائلًا للموارد والمعدات.

وتوضح دراسات عسكرية أن أي محاولة للسيطرة الدائمة ستحتاج إلى إقامة خطوط إمداد معقدة في بيئة معادية، فضلًا عن مواجهة "مقاومة مدنية" من سكان الجزيرة الأصليين (الإنويت) الذين أعربوا صراحة عن رفضهم القاطع لأي محاولة لسلخهم عن المملكة الدنماركية أو تحويل أرضهم إلى محمية عسكرية أمريكية قسرًا.

تداعيات غزو غرينلاند على حلف الناتو

يجمع الخبراء في معهد "بريكسيت" على أن إقدام واشنطن على غزو حليف في الناتو سيعلن الوفاة الإكلينيكية للتحالف الأطلسي، حيث سينهار مبدأ "الدفاع المشترك" المنصوص عليه في المادة الخامسة.

وتمثل هذه الخطوة، في حال حدوثها، سابقة تاريخية تجعل الحلفاء في أوروبا وآسيا يتساءلون عن جدوى الاعتماد على الحماية الأمريكية، مما قد يدفع دولًا مثل اليابان وكوريا الجنوبية للبحث عن بدائل أمنية مستقلة أو حتى امتلاك سلاح نووي لردع "الحليف" الذي تحول إلى غازٍ.

وتستفيد روسيا والصين بشكل مباشر من هذا التفكك الغربي، إذ سيجد الكرملين في غزو غرينلاند الذريعة المثالية للتوسع في شرق أوروبا، بينما ستتحرك بكين نحو تايوان تحت مبرر "الأمن القومي" نفسه الذي استخدمته واشنطن.

وتؤكد التحليلات الجيوسياسية أن أمريكا ستجد نفسها في عزلة دولية خانقة، حيث ستتحول من قائدة للنظام العالمي إلى دولة مارقة تنتهك سيادة جيرانها، مما يدمر عقودًا من القوة الناعمة والمصداقية الدبلوماسية التي بنيت بعد عام 1945.

العقبات القانونية والدستورية لضم غرينلاند

يواجه الرئيس الأمريكي عقبات دستورية صارمة داخل بلاده في حال قرر شن حرب غير معلنة على غرينلاند، إذ يتطلب "قانون صلاحيات الحرب" لعام 1973 إخطار الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي عمل عسكري.

وبدون موافقة تشريعية صريحة أو إعلان حرب، سيتعين على القوات الانسحاب خلال فترة لا تتجاوز 90 يومًا، وهو ما قد يفجر صراعًا داخليًا بين البيت الأبيض والكابيتول هيل حول صلاحيات القائد العام ومدى شرعية استخدام الجيش للاستحواذ على أراضٍ تابعة لدولة صديقة.

وتشير التحليلات القانونية الصادرة عن "تشاتام هاوس" أن الغزو سيعتبر انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة ومبدأ "سيادة الدول" وحق تقرير المصير، مما يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية دولية في لاهاي.

وتستطيع الدنمارك، باعتبارها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، تفعيل المادة 42.7 من معاهدة لشبونة للمساعدة المتبادلة، مما قد يجر القارة الأوروبية بأكملها إلى مواجهة اقتصادية وتجارية مع الولايات المتحدة، تشمل فرض عقوبات قاسية وتجميد أصول، مما سيهز استقرار الأسواق المالية العالمية وسلاسل التوريد الحيوية.

استقلال غرينلاند كبديل للغزو العسكري

تظهر محاكاة "ألعاب الحرب" سيناريو أكثر احتمالية يتمثل في "الضغط العسكري الناعم"، حيث تدفع واشنطن نحو استقلال غرينلاند عن الدنمارك عبر تشجيع الحركات الانفصالية المحلية بالوعود المالية والاستثمارات الضخمة.

وبدلًا من الغزو المباشر، قد تسعى إدارة ترامب لتوقيع اتفاقية دفاعية ثنائية مع "الدولة المستقلة الجديدة"، تحولها فعليًا إلى محمية أمريكية مقابل حماية أمنية ومنح سنوية تغنيها عن "البلوك غرانت" الدنماركي، مما يحقق أهداف الاستحواذ دون إطلاق رصاصة واحدة.

ويصطدم هذا السيناريو بوعي سياسي متزايد لدى قادة الجزيرة، الذين أكدوا في قمة "نوك" الأخيرة أنهم لا يرغبون في استبدال "التبعية الدنماركية" بـ "الضم الأمريكي".

وتوضح المواقف المعلنة للأحزاب الرئيسية في الجزيرة أن السيادة الوطنية ليست معروضة للبيع، وأن التحديات التي يفرضها ذوبان الجليد وتوافر المعادن النادرة تتطلب تعاونًا دوليًا شفافًا لا هيمنة أحادية، مما يجعل من فكرة "الاستقلال المدفوع" مناورة سياسية معقدة قد تنتهي بنتائج عكسية تؤجج المشاعر القومية ضد واشنطن.

زلزال اقتصادي في حال غزو غرينلاند

تتوقع مراكز الأبحاث الاقتصادية أن يؤدي الغزو العسكري إلى "حرب تجارية عالمية" شاملة، حيث سيضطر الاتحاد الأوروبي للرد بقوة لحماية وحدة أراضيه، حتى لو لم يمتلك القدرة العسكرية لمواجهة أمريكا.

وتعد الرسوم الجمركية المتبادلة وحظر التكنولوجيا من الأسلحة الفتاكة التي قد تدمر الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل اعتماد الصناعات الأمريكية على سلاسل توريد تمر عبر أوروبا، مما يجعل ثمن الاستحواذ على معادن غرينلاند أغلى بكثير من فوائدها الاقتصادية المتوقعة في الأمد القريب.

وتعاني الجزيرة نفسها من بنية تحتية محدودة وسكان موزعين على مساحات شاسعة، مما يجعل إدارتها بالقوة أمرًا مكلفًا للغاية للخزانة الأمريكية التي تعاني بالفعل من ديون سيادية هائلة.

وتؤكد التقارير أن تحويل الجزيرة إلى "ولاية 51" أو إقليم تابع سيحتاج إلى استثمارات تريليونية لتطوير المناجم والطرق والمطارات في بيئة قطبية قاسية، وهو ما قد لا يحظى بدعم شعبي داخل الولايات المتحدة نفسها، خاصة إذا اقترن ذلك بخسارة أرواح جنود أمريكيين في مواجهات مع "متمردين" محليين أو قوات دنماركية.

ومع استمرار ذوبان الجليد القطبي وكشفه عن ثروات هائلة، ستبقى الجزيرة في قلب العاصفة الجيوسياسية، ولكن يبقى الأمل في أن تظل مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها هي الدرع الواقي أمام أي "مغامرة" غير محسوبة قد تدفع العالم نحو فوضى شاملة لا رابح فيها.