أثار قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف القيود المفروضة على شراء النفط الروسي ردود فعل متباينة، إذ رحبت به موسكو في حين عبّر ناشطون داعمون لأوكرانيا عن قلقهم من تداعياته السياسية والاقتصادية.
ويقضي القرار الأمريكي بمنح إعفاء مؤقت لمدة شهر يسمح للدول بشراء شحنات من النفط الروسي التي ظلت عالقة في عرض البحر نتيجة العقوبات، بعدما تعذر تسويقها في ظل القيود السابقة. وأوضح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الإجراء الجديد صُمم كخطوة قصيرة الأجل تهدف إلى الحد من التداعيات الاقتصادية المرتبطة بالتوترات الناتجة عن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
في المقابل، اعتبر بيل براودر، وهو من أبرز منتقدي الكرملين والناشطين في مجال العقوبات، أن هذه الخطوة تمثل قرارًا خطيرًا قد يؤدي إلى زيادة العائدات المالية لروسيا ويمنح الرئيس فلاديمير بوتين دعمًا غير مباشر في الحرب الدائرة في أوكرانيا.
تحول في السياسة الأمريكية تجاه النفط الروسي
يمثل هذا القرار تحولًا واضحًا في النهج الأمريكي تجاه النفط الروسي. ففي وقت سابق شددت واشنطن إجراءاتها ضد الدول التي تواصل شراء الخام الروسي، وفرضت في أغسطس رسومًا جمركية مرتفعة وصلت إلى 50% على واردات من الهند بعد اتهامات بأنها تستورد النفط الروسي بما يسهم في تمويل العمليات العسكرية في أوكرانيا.
وأدت تلك الإجراءات إلى تراكم كميات كبيرة من النفط الخاضع للعقوبات على متن ناقلات قبالة سواحل الهند ودول آسيوية أخرى، بينما كان التجار يبحثون عن مشترين مستعدين لاستلام تلك الشحنات.
من جانبه، قال المبعوث الاقتصادي للرئيس الروسي كيريل ديميترييف إن القرار يعكس الدور المحوري الذي تلعبه روسيا في استقرار سوق الطاقة العالمية، مضيفًا أن تخفيف العقوبات بشكل أوسع كان أمرًا متوقعًا مع مرور الوقت. لكن وزير الخزانة الأمريكي أكد أن المكاسب المالية التي قد تحققها موسكو من بيع تلك الكميات ستكون محدودة، مشيرًا إلى أن الإجراء يهدف بالأساس إلى التعامل مع حالة عدم الاستقرار المرتبطة بالنظام الإيراني.
هل يمنح القرار موسكو متنفسًا اقتصاديًا؟
في المقابل، رأى بنيامين هيلجنستوك، رئيس قسم أبحاث واستراتيجيات الاقتصاد الكلي في كلية كييف للاقتصاد، أن القرار قد يشكل عملية دعم غير مباشرة للاقتصاد الروسي. وقدّر أن صادرات النفط الروسية قد ترتفع بنحو 10 مليارات دولار شهرياً نتيجة هذا الإعفاء، مع توقع تحويل نحو نصف هذا المبلغ إلى الخزانة الروسية عبر الضرائب.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتعرض فيه روسيا لضغوط اقتصادية متزايدة، إذ سجلت صادراتها النفطية في فبراير أدنى مستوى لها منذ بدء الغزو الواسع لأوكرانيا في عام 2022. وأشار هيلجنستوك إلى أن تأثير القرار سيظل محدودًا إذا استمرت الأزمة المرتبطة بإيران لفترة قصيرة، لكنه قد يمنح روسيا وضعًا اقتصاديًا أكثر راحة إذا استمرت التوترات لفترة أطول.
من ناحية أخرى، قدم مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف تقديرات أقل لحجم النفط الذي يمكن لروسيا تسويقه بفضل الإعفاء. إلا أن المركز الفنلندي أشار إلى أن الخطوة ستسمح لموسكو بتصريف جزء من المخزونات العالقة وربما زيادة الإنتاج لاحقًا. وقال إسحاق ليفي، محلل الطاقة في المركز، إن القيود المفروضة على التخزين أجبرت روسيا في الفترة الأخيرة على تقليص وتيرة إنتاجها النفطي.
ويرى بعض الخبراء أن السماح بطرح مزيد من النفط الروسي في السوق العالمية قد يساهم في تخفيف الضغوط التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع. غير أن وارن باترسون، رئيس استراتيجية السلع في بنك ING الهولندي، اعتبر أن تأثير القرار الأمريكي سيكون محدودًا ولن يعالج سوى جزء بسيط من الاضطرابات في الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
وتشير تقديرات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف إلى أن نحو 50 مليون برميل من النفط الروسي موجودة حاليًا في البحر ويمكن بيعها بموجب الإعفاء الجديد. في المقابل، تقول موسكو إن الكمية الفعلية قد تصل إلى نحو 100 مليون برميل. ورغم ذلك تبقى هذه الكميات أقل من حجم الطلب العالمي على النفط خلال يوم واحد، والذي يبلغ نحو 104 ملايين برميل.
ويرى باترسون أن استقرار سوق النفط يعتمد أساساً على استمرار تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز، مؤكدًا أن هذا الممر البحري يمثل عاملًا حاسماً في توازن السوق. ويتوقع أن تكون الهند وعدد من الدول الآسيوية من أبرز المشترين المحتملين للنفط الروسي المتاح حديثًا، خاصة بعد تأثرها الشديد بتعطل حركة التجارة في المضيق.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو خمس النفط المتداول عالميًا في الظروف الطبيعية. إلا أن التوترات الأخيرة أدت إلى توقف هذا التدفق بشكل شبه كامل، ما خفض المعروض العالمي وأثار مخاوف من استمرار الاضطراب لفترة طويلة وارتفاع الأسعار بشكل حاد. وقد أدى ذلك إلى زيادة قلق صناع القرار في عدد من الدول، مع تصاعد المخاوف من موجة تضخم جديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.
ويرى هيلجنستوك أن الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز دفعت نظام العقوبات الغربي المفروض على روسيا إلى حدود قدرته، لأن فعالية هذه العقوبات تعتمد على قدرة السوق العالمية على تعويض أي نقص في الإمدادات النفطية. وأوضح أن التحديات المرتبطة بالمضيق كبيرة للغاية، ما جعل السوق العالمية تفقد حاليًا القدرة على امتصاص الصدمات بسهولة.
موقف الغرب من موسكو
على الرغم من أن التأثير الاقتصادي المباشر للقرار الأمريكي قد يكون محدودًا، فإن ناشطين داعمين لأوكرانيا يرون أنه يمثل تحولًا رمزيًا في موقف الغرب من سياسة الضغط القصوى على موسكو. وقال ألكسندر كيرك، وهو ناشط في مجال العقوبات بمنظمة Urgewald الحقوقية، إن الرسالة التي قد تصل إلى الكرملين هي أن الغرب قد يتراجع عن مواقفه إذا استمرت الضغوط لفترة كافية.
وأشار إلى أن روسيا حققت بالفعل مليارات الدولارات من عائدات الوقود الأحفوري منذ بدء الضربات على إيران، مؤكدًا أن ضخ مزيد من النفط الروسي في السوق العالمية سيعزز الموارد المالية للحكومة الروسية. بدوره، أعرب بيل براودر عن أمله في ألا تتبع حكومات أخرى الخطوة الأمريكية، مؤكدًا أن تخفيف العقوبات لا يحقق أي فائدة استراتيجية.
وأضاف أن دولًا مثل الصين والهند وتركيا كانت تواصل شراء النفط الروسي بالفعل، وأن رفع القيود سيؤدي ببساطة إلى زيادة الإيرادات التي تحصل عليها موسكو من هذه الصادرات. وفي الوقت نفسه، أعلنت بريطانيا وكندا وألمانيا رفضها لتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا. وقال وزير الطاقة البريطاني مايكل شانكس إن موسكو قد تعتبر هذه الخطوة فرصة لتعزيز تمويل عملياتها العسكرية.
كما أشار المستشار الألماني فريدريش ميرز إلى أن ستة من أصل سبعة من قادة دول مجموعة السبع يؤيدون الإبقاء على العقوبات المفروضة على روسيا.
ويرى هيلجنستوك أن الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز، من وجهة نظر السياسة الروسية، تمثل تطورًا غير متوقع ساهم في إضعاف فعالية نظام العقوبات الغربي. وأضاف أن قدرة السوق النفطية العالمية على تحمل نقص الإمدادات تراجعت بشكل واضح، ما يجعل خيارات الغرب محدودة إلى أن تهدأ الأزمة.
اقرأ أيضًا:
خنق النفط الإيراني يضع خطط ترامب الحربية على المحك
حرب إيران قد تعزز مكاسب بوتين استراتيجيًا
تضارب في التصريحات الأمريكية حول نهاية حرب إيران.. لماذا؟











