تعد غرينلاند في سجلات الأرشيف الدولي محورًا لصراعات خفية لم تنتهِ فصولها منذ قرون، إذ لم تكن مجرد جزيرة متجمدة في أقاصي الشمال، بل ورقة استراتيجية كبرى في لعبة الشطرنج الجيوسياسية.

وتوضح الوثائق التاريخية أن المحاولات المتكررة للاستحواذ عليها لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة إدراك مبكر لموقعها الفريد كبوابة للسيطرة على القطب الشمالي وممرات الملاحة العالمية، مما جعلها محط أنظار واشنطن ولندن وحتى أوسلو في فترات تاريخية متباعدة ومضطربة.

وتعكس هذه المحاولات، التي تراوحت بين العروض المالية الضخمة والمناورات القانونية الدولية، تحولًا جذريًا في نظرة القوى العالمية نحو المناطق القطبية كخزانات للموارد الطبيعية والقواعد العسكرية الثابتة.

وفي هذا السياق، يبرز التناقض الصارخ بين الرؤية الاستعمارية القديمة التي تعاملت مع الأرض كعقار تجاري يمكن مقايضته بالذهب، وبين الواقع الحديث الذي يكرس سيادة شعب الجزيرة وحقه الأصيل في تقرير مصيره بعيدًا عن صفقات البيع والشراء التي ميزت القرون الماضية.

أطماع سيوارد في موارد غرينلاند

انطلقت أولى شرارات الرغبة الأمريكية في ضم الجزيرة عام 1867، عندما نجح وزير الخارجية آنذاك، ويليام سيوارد، في شراء ألاسكا من روسيا، مما فتح شهيته للتمدد شمالًا نحو آيسلندا والقطب.

وكلف سيوارد خبراءه بإعداد تقرير مفصل حول الموارد الطبيعية التي تميز غرينلاند اقتصاديًا، حيث وصفها التقرير المنشور عام 1868 بأنها أرض تعج بالثروات من فحم ومعادن نادرة وزيوت الحيتان، معتبرًا أن السيطرة عليها ستمنح الولايات المتحدة مفتاح التجارة العالمية والسيادة البحرية المطلقة في المحيط الأطلسي.

واجهت هذه الطموحات المبكرة معارضة داخلية شرسة في واشنطن، إذ سخرت الصحافة من صفقات سيوارد ووصفته بـ "صندوق ثلج سيوارد"، مما أدى إلى تراجع الاهتمام بالمشروع مؤقتًا نتيجة الأزمات السياسية التي تلت الحرب الأهلية الأمريكية.

ورغم ذلك، ظلت الفكرة كامنة في أروقة الخارجية الأمريكية، بانتظار لحظة تاريخية مواتية تعيد تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للفضاء القطبي، وهو ما حدث فعليًا مع مطلع القرن العشرين وتزايد الاهتمام بممرات الطاقة العالمية وتأمين طرق الملاحة بين القارات.

صفقات المقايضة والنزاع على غرينلاند

طرح السفير الأمريكي في الدنمارك، موريس إيجان، في عام 1910 خطة "جريئة" للمقايضة الثلاثية، تضمنت تنازل الدنمارك عن الجزيرة لواشنطن مقابل الحصول على جزر في الفلبين، لتقوم كوبنهاغن لاحقًا بمقايضة تلك الجزر مع ألمانيا لاستعادة إقليم شليسفيغ هولشتاين.

ولم تجد هذه المقايضة المعقدة طريقًا للتنفيذ بسبب تعقيد الحسابات الدولية آنذاك، لكنها مهدت الطريق لاحقًا لشراء الولايات المتحدة لجزر فيرجن الدنماركية في عام 1917 مقابل اعتراف واشنطن بالسيادة الدنماركية الكاملة على غرينلاند التي كانت محل نزاع قانوني.

وشهد عام 1931 منعطفًا خطيرًا في المسار السيادي عندما حاولت النرويج فرض أمر واقع عبر احتلال أجزاء من شرق الجزيرة وأطلقت عليها اسم "أرض إريك الأحمر"، زاعمة أن السيادة الدنماركية لا تشمل كامل المنطقة الشاسعة.

وانتهى هذا النزاع في عام 1933 بقرار حاسم من محكمة العدل الدولية في لاهاي، التي حكمت بصحة السيادة الدنماركية، مما أجبر القوات النرويجية على الانسحاب، وكرس الحماية القانونية الدولية للحدود الإقليمية للجزيرة في وجه الأطماع الخارجية التي حاولت استغلال الفراغ السكاني في بعض مناطقها.

وكشفت وثائق "المؤتمر الإمبراطوري للحرب" عام 1917 عن رغبة خفية لدى كندا وبريطانيا في الاستحواذ على الجزيرة لمنع وصول الولايات المتحدة إليها، حيث اعتبرها وزير البحرية الكندي "حاملة طائرات ثابتة" لا تقدر بثمن في شمال الأطلسي.

وطالب الكنديون حينها بمنحهم الحق الأول في الشراء في حال قررت الدنمارك البيع، خوفًا من أن يؤدي النفوذ الأمريكي المتزايد إلى تطويق كندا من جهة الشمال، مما يعكس حالة التوجس التي سادت بين القوى الغربية حول مستقبل السيادة في القطب الشمالي وتوازن القوى فيه.

وتلاشت هذه المطامع الكندية تدريجيًا مع رغبة رئيس الوزراء، روبرت بوردن، في تعزيز العلاقات الأنجلو-أمريكية وجعل كندا "حلقة وصل" دبلوماسية بدلًا من الدخول في صراعات حدودية قطبية مجهولة النتائج.

وأدركت لندن حينها أن أي محاولة لتغيير وضع الجزيرة ستصطدم بالرفض الأمريكي الصارم لأي وجود لدولة ثالثة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وفقًا لمبدأ "مونرو"، مما أبقى غرينلاند في عهدة الدنمارك بضمانة أمريكية غير رسمية استمرت لعقود طويلة قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية.

قاعدة ترومان والمطامع العسكرية في غرينلاند

تغيرت المعطيات الجيوسياسية جذريًا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أدرك البنتاغون أن الجزيرة تمثل خط الدفاع الأول ضد التهديدات السوفيتية العابرة للقطب الشمالي نحو المدن الأمريكية الكبرى.

وقدمت إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان في عام 1946 عرضًا رسميًا ومباشرًا لشراء الجزيرة بالكامل من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار من الذهب، وهو العرض الذي قوبل بصدمة ورفض قاطع في كوبنهاغن، حيث صرح وزير الخارجية الدنماركي حينها بأن بلاده "لا تدين لأمريكا بجزيرة كاملة" رغم امتنانها للدعم العسكري الذي تلقته.

واستعاضت واشنطن عن الشراء باتفاقية دفاعية في عام 1951 سمحت ببناء قواعد عسكرية ضخمة، من أبرزها قاعدة "ثول" الجوية التي تحولت إلى مركز عالمي لمراقبة الصواريخ والتدخل السريع تحت إشراف القوات الأمريكية.

وتحت الغطاء الجليدي الكثيف، شرعت أمريكا في بناء "مدينة نووية" سرية تُعرف باسم "كامب سنتوري"، كانت تهدف لنشر صواريخ نووية قادرة على ضرب عمق الاتحاد السوفيتي، مما جعل غرينلاند الساحة الأهم في استراتيجيات الردع خلال ذروة الصراع العالمي بين المعسكرين الشرقي والغربي.

وأعاد الرئيس الحالي لأمريكا دونالد ترامب في فترته الأولى التي بدأت عام 2019 إحياء الجدل العالمي حول التبعية السياسية للجزيرة بتصريحاته حول رغبته في شرائها كـ "صفقة عقارية كبرى" تخدم المصالح القومية الأمريكية.

وبرر ترامب هذا التوجه بضرورة السيطرة على المعادن الأرضية النادرة ومنع التمدد الصيني والروسي المتزايد في المنطقة القطبية، مشيرًا أن الصفقة ستخفف الأعباء المالية عن كاهل الدنمارك، وهو ما قوبل بردود فعل حادة وصفت العرض بـ "العبثي" من قبل القيادات السياسية في الدنمارك والجزيرة على حد سواء.

وأدت هذه التصريحات المثيرة للجدل إلى أزمة دبلوماسية قصيرة الأمد، لكنها سلطت الضوء من جديد على الثروات الهائلة التي قد تنكشف نتيجة ذوبان الجليد وتغير المناخ العالمي المتسارع.

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، كرّر الحديث عن نواياه بشأن الجزيرة، وفي مطلع 2026، وبعد الهجوم على فنزويلا واعتقال رئيسها، كشف الأول أنه لا يزال يفكّر في ضم غرينلاند.

وأعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض بنهاية الأسبوع الأول من يناير 2026، أن الرئيس دونالد ترامب يدرس خيارات للاستحواذ على غرينلاند، بما في ذلك "استخدام الجيش".

وقالت كارولاين ليفيت في بيان لوكالة "فرانس برس": "أوضح الرئيس ترامب أن الاستحواذ على غرينلاند يمثل أولوية للأمن القومي للولايات المتحدة، وأنه أمر حيوي لردع خصومنا في منطقة القطب الشمالي".

وأضافت: "يدرس الرئيس وفريقه خيارات عدة للمضي قدما نحو تحقيق هذا الهدف المهم للسياسة الخارجية، وبالطبع فإن استخدام الجيش الأميركي يبقى خيارا مطروحا بالنسبة إلى القائد الأعلى للقوّات المسلّحة".

عوائق السيادة واستقلالية قرار غرينلاند

يطرح استمرار فشل هذه المحاولات التاريخية تساؤلات حول العوامل التي منعت تحول الجزيرة إلى ولاية أمريكية أو إقليم نرويجي طوال قرن ونصف من الضغوط المتواصلة.

وتتمثل الإجابة في تطور مفاهيم السيادة الدستورية الدولية، إذ لم تعد الأرض مجرد مساحة جغرافية خالية من البشر، بل موطنًا لشعب "الإنويت" الذي نجح في انتزاع اعتراف دولي بحقه في الحكم الذاتي عام 1979، ثم السيادة الموسعة على الموارد الطبيعية والقضاء في عام 2009 بموجب اتفاقيات قانونية ملزمة.

وتلعب الكرامة الوطنية الدنماركية دورًا محوريًا في هذا الاستعصاء التاريخي، حيث تعتبر كوبنهاغن أن التخلي عن غرينلاند يعني فقدان مكانتها كقوة قطبية مؤثرة في القضايا الدولية والبيئية.

وفضلًا عن ذلك، فإن القوانين الدولية المعاصرة تمنع نقل السيادة على الشعوب مقابل مبالغ مالية، مما يجعل أي محاولة مستقبيلة مرتبطة بالضرورة بإرادة الغرينلانديين أنفسهم وقدرتهم على بناء اقتصاد مستقل يغنيهم عن المنح الخارجية، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه مستقبل الجزيرة في القرن الحادي والعشرين وما بعده.