تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث وسط مفارقة صارخة بين التوقعات السياسية والواقع الميداني، حيث ترسم الإدارة الأمريكية صورة متفائلة بقرب انتهاء العمليات العسكرية وانفراج أزمة أسواق الطاقة، بينما تقابل القيادة الإيرانية هذه الصورة بتأكيد الصمود ورفض قاطع لأي حوار، مما يؤدي إلى تصاعد مسار عسكري يطال القواعد الأمريكية والعمق الإسرائيلي.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن الحرب قد تضع أوزارها خلال أسابيع معدودة، كما أصرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وجود مؤشرات تدل على نهاية سريعة للمواجهة، على الرغم من تخطي أسعار النفط الخام حاجز 100 دولار للبرميل.
وفي هذا السياق قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت عبر شبكة إيه.بي.سي، إن الصراع سينتهي بالتأكيد خلال الأسابيع القليلة المقبلة وربما أقرب من ذلك، متوقعًا حدوث انتعاش في الإمدادات وضغط نزولي على الأسعار بعد نهايته.
ويغيب عن هذه التصريحات الأمريكية توضيح الآلية التي ستنتهي بها الحرب بهذه السرعة في ظل غياب أي مسار دبلوماسي واضح، حيث تجاهلت إدارة ترامب مساعي من حلفاء في الشرق الأوسط لبدء مفاوضات تهدف إلى إنهاء القتال، وفقًا لثلاثة مصادر تحدثت لرويترز.
وترافق هذا التفاؤل الأمريكي مع تصعيد حاد في لهجة ترامب خلال عطلته الأسبوعية، حين هدد بشن مزيد من الضربات على جزيرة خرج التي تمثل المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، وقال لشبكة إن.بي.سي نيوز، إن الضربات الأمريكية دمرت تمامًا جزءًا كبيرًا من الجزيرة، وأضاف «ربما نضربها بضع مرات أخرى لمجرد التسلية»، مشيرًا إلى أن طهران ترغب في التفاوض ومؤكدًا في الوقت ذاته أنه غير مستعد للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
الرد الإيراني واتساع رقعة الصراع
ومع توالي هذه الادعاءات الأمريكية بالرغبة الإيرانية في التفاوض، سارع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى نفيها تمامًا، قائلًا عبر برنامج فيس ذا نيشن على شبكة سي.بي.إس، «لم نطلب أبدا وقف إطلاق النار، ولم نطلب حتى التفاوض. نحن مستعدون للدفاع عن أنفسنا مهما استغرق الأمر».
وسعى عراقجي من خلال تصريحاته إلى إظهار تماسك جبهته الداخلية بوصفه المواجهة بأنها ليست حرب بقاء، مشددًا على استقرار بلاده وقوتها، ومضيفًا «لا نرى أي سبب يدفعنا للتحدث إلى الأمريكيين، لأننا كنا نتحدث معهم عندما قرروا مهاجمتنا، وكانت تلك المرة الثانية».
وعلى الصعيد الميداني أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق مزيد من الصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف في إسرائيل وثلاث قواعد أمريكية في المنطقة، بينما تحدى المتحدث باسم الحرس الثوري علي محمد نائيني تصريحات ترامب حول تدمير البحرية الإيرانية، قائلًا «إذا كان يجرؤ، فليرسل سفنه إلى منطقة الخليج»، ومؤكدًا أن إيران لم تستخدم أحدث صواريخها بعد.
وفي المقابل واصل الجيش الإسرائيلي قصف أهداف في غرب إيران شملت مقرات للحرس الثوري ونقاط تفتيش تابعة لقوات الباسيج في مدينة همدان، وبدأت إسرائيل استهداف حواجز طرق وجسور تعتقد أن قيادات الحرس الثوري يستخدمونها، وتزامن ذلك مع إعلان وسائل إعلام إيرانية اعتقال العشرات بتهمة إفشاء معلومات لإسرائيل.
وفي سياق متصل اتسعت رقعة الحرب لتشمل لبنان بعد إطلاق حزب الله النار على إسرائيل انتقامًا لمقتل الزعيم الأعلى الإيراني مما استدعى هجومًا إسرائيليًا عنيفًا، ونفى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تقارير حول نية إسرائيل عقد محادثات مباشرة قريبًا مع لبنان لنزع سلاح حزب الله، كما كذب الأنباء التي تحدثت عن إبلاغ واشنطن بتناقص الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية.
التداعيات الاقتصادية والأزمة الإنسانية
ولم تتوقف تداعيات الحرب عند حدود المواجهات العسكرية، وإنما تجاوزتها لتضرب عصب الاقتصاد العالمي المتمثل في مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، حيث أصبح المضيق مغلقًا فعليًا أمام معظم حركة الشحن والملاحة البحرية العالمية منذ بدء حملة القصف المكثفة في 28 فبراير الماضي على الرغم من استمرار عبور سفن إيرانية.
ودفع هذا الإغلاق وكالة الطاقة الدولية إلى إعلان بدء تدفق النفط من احتياطياتها الطارئة إلى الأسواق العالمية قريبًا بناءً على تعهد الدول الأعضاء بإتاحة نحو 411.9 مليون برميل.
وتعرضت البنية التحتية للطاقة لضربات مباشرة أدت إلى إغلاق مركز الفجيرة العالمي لتزويد السفن بالوقود في الإمارات إثر هجمات مكثفة قبل أن يستأنف عمليات التحميل لاحقًا، مما دفع ترامب إلى دعوة دول متضررة منها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا للانضمام إلى جهود إعادة فتح الممرات الملاحية.
وفي هذا الإطار ناقش رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع ترامب ضرورة فتح المضيق وتدرس فرنسا تشكيل تحالف لتأمينه، بينما يبحث وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق مهمة أسبيدس البحرية لتشمل هرمز وسط شكوك ألمانية.
وخلفت هذه العمليات العسكرية الواسعة أزمة إنسانية طاحنة وأسفرت عن مقتل أكثر من ألفي شخص معظمهم في إيران ولبنان، ونتيجة لذلك خصصت منظمة الصحة العالمية مليوني دولار أموالًا طارئة لمواجهة أزمة نزوح طالت أكثر من 100 ألف شخص في إيران وما يصل إلى 700 ألف في لبنان.
ومن جانبه نفى عراقجي استهداف طهران لمدنيين مبديًا الاستعداد لتشكيل لجنة مع الجيران للتحقيق في مسؤولية أي ضربات طالت مناطق سكنية، وبالتزامن مع هذه الأحداث أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير عشر طائرات مسيرة في الرياض وشرق البلاد.
وهكذا تتداخل خيوط المعركة وتتشابك أطرافها وتتضارب تصريحات قادتها بين وعود بنهاية قريبة واستعداد لحرب طويلة، ويبقى الاقتصاد العالمي رهينة لممرات مائية مغلقة بينما تستمر حصيلة الخسائر البشرية في الارتفاع بانتظار مسار حاسم ينهي حالة الصراع المفتوح.













