طفا على السطح مرة أخرى الصراع بين الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، إذ استغل الأخير الأمور الجدلية في كأس العالم 2026، لمحاولة كسب جولة في معركة اليويفا مع جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، لكن يبقى السؤال لماذا لا يخشى إنفانتينو، ما يفعله الاتحاد الأوروبي؟، وبمعنى آخر هل يقدر "اليويفا" تقديم مرشح آخر يتمكن من الفوز برئاسة الفيفا؟.
ولا يخفى على أحد متابع لكرة القدم أن هناك حربًا بادرة بين الطرفين، كام آخرها اعتراض "اليويفا" الشديد لقرار الفيفا برفع عقوبة الكارت الأحمر عن لاعب منتخب أمريكا فولارين بالوغون، قبل مواجهة أمريكا وبلجيكا، والتي انتخت بفوز الأخير وإقصاء الولايات المتحدة خارج البطولة، ووصف الاتحاد الأوروبي خطوة الفيفا بأنها تجاوز للخط الأحمر وقرار غير مسبوق وغير مفهوم وغير مبرر، ورفض إنفانتينو أي تلميح بوجود تدخل سياسي، وأصر على أن لجنة التأديب بالفيفا مستقلة.
الفيفا تمنع التدخل السياسي
وتنص لوائح الفيفا بوضوح على عدم جواز التدخل السياسي، ويتم تعليق مشاركة الدول في كرة القدم الدولية بشكل منتظم بسبب تدخل الحكومات في الاتحادات الوطنية لكرة القدم
وهذا الصادم ليس الأول من نوعه، فالجفاء بين الطرفين عميقًا، ففي مايو من عام 2025، قاد رئيس الاتحاد الأوروبي، ألكسندر تشيفرين، انسحابًا جماعيًا للمندوبين الأوروبيين خلال استراحة مؤتمر الفيفا، احتجاجًا على تأخر رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، لساعتين و17 دقيقة بسبب جولة دبلوماسية في الشرق الأوسط برفقة دونالد ترامب.
ولا يفوت الاتحاد الأوروبي فرصة لتحقيق مكاسب سياسية والتشويش على بطولات الفيفا، فبمجرد عودة الحكم الصومالي عمر أرتان إلى بلاده الشهر الماضي، بعد منعه من دخول أمريكا، سارع "اليويفا" لتقديمه كواجهة عبر دعوته لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا المقررة في 12 أغسطس المقبل.
علاوة على ذلك، يشن الاتحاد الأوروبي حربًا تسويقية ونفسية غير مباشرة، إذ يحرص طوال العام على الترويج لرخص أسعار تذاكر بطولة أمم أوروبا 2028 مقارنة بأسعار كأس العالم الباهظة، ولم يتوقف الأمر عند المال، بل امتد للقوانين؛ حيث أعلن "اليويفا" أنه لن يطبق نظام فترات الراحة لشرب الماء، ولن يشهر البطاقات الحمراء للاعبين الذين يغطون أفواههم، في إشارة واضحة لرفض بعض القيود الصارمة التي يفرضها الفيفا.
ورغم أن إنفانتينو هو ابن "اليويفا" البارز، وكان لسنوات طويلة الوجه الشهير لقرعات دوري أبطال أوروبا، ورغم إلقائه خطابًا في مؤتمر الاتحاد الأوروبي في فبراير الماضي، فإن حالة الاحتكاك والعداء المكتوم تظل السائدة.
هل منصب إنفانتينو في خطر؟
أمام هذه الهجمات الأوروبية، يثور تساؤل منطقي: هل بات منصب إنفانتينو في خطر؟ الإجابة القاطعة هي: "بالتأكيد لا"، على العكس تمامًا، يحظى الرجل بشعبية جارفة تقترب من الحصانة المطلقة لدى أغلبية الاتحادات حول العالم، والفضل في ذلك يعود لسياساته الذكية في دعم الدول النامية كرويًا.
نجح برنامج "فيفا فورورد" الذي أطلقه إنفانتينو في تمويل مشاريع كروية ضخمة في شتى بقاع الأرض، كما أن قراره التاريخي بتوسيع بطولة كأس العالم إلى 48 فريقًا خلق نافذة أمل حقيقية للاتحادات ذات العمق الأقل، ورغم أن القارة العجوز نالت 3 مقاعد إضافية فقط من أصل 16 مقعدًا مستحدثًا، ورغم أن المونديال الأخير أظهر فجوة فنية واضحة تحتاج اتحادات آسيا والكونكاكاف لجهد كبير لردمها، فإن رئيس الفيفا قدّم لهذه الشعوب "حلم المونديال"، وباتت تملك فرصة واقعية لمعانقة المجد المونديالي وتطوير لعبتها، وهو ما يراه الكثيرون مكسبًا حقيقيًا للكرة العالمية.
ويتطلب تمويل هذه الأحلام والمشاريع تدفقات مالية ضخمة، وهي تأتي تحديدًا من الإيرادات الهائلة لكأس العالم وأسعار التذاكر المرتفعة، حيث يُتوقع أن تجني الفيفا هذا العام إيرادات فلكية تصل إلى 9 مليارات دولار.
صحيح أن أوروبا قادرة على تمويل نفسها وتمتلك النفوذ الأكبر في اللعبة، لكن بقية العالم يعتمد كليًا على أموال الفيفا التي يوزعها إنفانتينو، وعند النظر إلى خريطة التصويت في الفيفا، التي تضم 211 دولة يملك كل منها صوتًا واحدًا، ويتطلب الفوز فيها 106 أصوات، يتضح أن الحسابات الرياضية تقتل أي أمل أوروبي في التغيير.
وذلك لأن اتحاد أمريكا الجنوبية أعلن دعمه لرئيس الفيفا الحالي بـ10 أصوات، وكذلك الاتحاد الأفريقي أكد دعمه بالإجماع بـ 54 صوتًا، وكذلك الاتحاد الآسيوي حذا حذوهما معلنًا الولاء بـ 47 صوتًا.
بهذه الحسبة البسيطة، يضمن إنفانتينو في جيبه 111 صوتًا قبل فتح صناديق الاقتراع، ما يجعله غير قابل للهزيمة، وحتى لو فكر الاتحاد الأوروبي في تقديم مرشح قوي لخوض التحدي، فإن المعركة محسومة سلفًا.
لقد أُعيد انتخاب إنفانتينو بالتزكية في عامي 2019 و2023، ويبدو أن أي محاولة للوقوف ضده أو هزيمته في انتخابات 2027 ستتطلب معجزة استثنائية خارج نطاق التوقعات.














