تعتبر "الحساسية من الماء"، حالة طبية نادرة وغريبة تجعل من مجرد الاستحمام السريع معركة يومية قاسية.
ويمتلك جهازك المناعي وظيفة واحدة محددة، وهي حمايتك، ولكن في بعض الأحيان، يصبح هذا الجهاز مفرط الحماس، بل ومصابًا بحالة من "البارانويا"؛ فيخطئ في تصنيف الأشياء غير الضارة —كالزهور، أو القطط— ويعتبرها تهديدات صريحة.
صعوبة في تشخيص الحساسية من الماء
المصطلح الطبي لهذه الحالة هو "الأرتيكاريا المائية" (Aquagenic Urticaria)، وهي شكل نادر جدًا من الطفح الجلدي.
وتكمن غرابة هذه الحالة في ندرتها الشديدة؛ إذ لم يُسجل عالميًا إلا ما يتراوح بين 100 إلى 150 حالة فقط عبر التاريخ.
ويؤكد الخبراء، ومنهم الدكتور أمير باجوجلي من جامعة "جورج تاون"، أن العديد من الحالات تظل دون تشخيص، لأن فكرة "التحسس من الماء" هي آخر ما قد يخطر على بال الأطباء الممارسين، مما يجعل المرضى يعانون لسنوات من طفح جلدي غامض ومؤلم دون معرفة السبب الحقيقي.
كيف يتحول الماء إلى محفز للألم؟
رغم أن العلم لم يفك شفرة هذه الحالة بالكامل، إلا أن الباحثين يعتقدون أن "الماء" بحد ذاته ليس هو الجاني، والتفسير الأرجح هو أن جلد المصاب يحتوي على مادة معينة تتفاعل عند ملامسة الماء، مما يؤدي إلى إطلاق "الخلايا الصارية" لإنذار خطر كاذب.
هذا الإنذار يفرز مادة "الهيستامين" المسؤول عن الحكة الشديدة والبثور البارزة التي تظهر في غضون دقائق من الملامسة، والمثير للدهشة هو أن هؤلاء مرضى الحساسية من الماء يمكنهم شرب الماء بشكل طبيعي؛ لأن الأمعاء لا تثير نفس الاستجابة المناعية التي يثيرها الجلد، مما يحميهم من الجفاف القاتل، وإن كان البعض قد يعاني حتى من عرق جسده الشخصي.
كيف يتعايش المرضى مع حساسة الماء؟
الحياة مع الأرتيكاريا المائية تتطلب إعادة تشكيل كاملة للعادات اليومية، بالنسبة لمريض مراهق، قد يعني هذا "الاستحمام الخاطف" لمدة لا تتجاوز دقيقتين لتقليل حدة الأعراض، وتناول مضادات الهيستامين قبل ساعة كاملة من أي تلامس متوقع مع الماء.
ورغم أن هذه الحالة مزمنة ولا يوجد لها علاج جذري حتى الآن، إلا أن الأدوية الحديثة مثل "أوماليزوماب" بدأت تمنح بصيصًا من الأمل لتحسين جودة حياة المرضى.
ويبقى اللغز قائمًا حول "المستضد" الخفي في الجلد الذي يسبب هذا التفاعل، وهو ما يسعى العلماء لحله لإنهاء معاناة أولئك الذين يشكل لهم المطر أو الدموع تهديدًا صحيًا مؤلمًا.














