تتجه فتيات لا تتجاوز أعمار بعضهن 8 أو 9 سنوات إلى استخدام منتجات متعددة للعناية بالبشرة، بينها مستحضرات تحتوي على مكونات مخصصة لمكافحة الشيخوخة، هذا التحول دفع أطباء جلدية وباحثين إلى التحذير من ظاهرة أطلق الأطباء عليها اسم "كوزميتيكوريكسيا"، وهي حالة من الهوس بالحصول على بشرة "مثالية" منذ سن مبكرة، ترتبط بالاستخدام المفرط لمستحضرات العناية بالبشرة والتأثر المستمر بالمحتوى المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتشير بيانات أولية جمعتها علامة العناية بالبشرة "Pai" وشملت 1500 طفل تتراوح أعمارهم بين 9 و12 عامًا إلى أن نحو نصف المشاركين يستخدمون أكثر من منتج للعناية بالبشرة أسبوعيًا، فيما قال نصف هؤلاء تقريبًا إنهم مهتمون ذلك لمعالجة ما يعتبرونه "مشكلات" في بشرتهم، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية "BBC".
"الأطفال والعناية بالبشرة"
يكفي البحث عن عبارة "الأطفال والعناية بالبشرة" على منصات التواصل الاجتماعي للعثور على مئات المقاطع لفتيات صغيرات، بعضهن لا تتجاوز أعمارهن ثلاث أو أربع سنوات، يتحدثن عن مستحضرات التجميل أو يصورن مقاطع من نوع "اجهزي معي" و"روتين ما بعد المدرسة".
وتجسد قصة الطفلة البريطانية "إيلي ماي" جانبًا من هذا التحول، فالمؤثرة الشابة، التي تبلغ اليوم 13 عامًا، بدأت استخدام منتجات العناية بالبشرة والترويج لها منذ سن الثامنة، قبل أن يتحول المحتوى الذي تنشره على "تيك توك" إلى مصدر دخل رئيسي لعائلتها.
وتقول والدتها "صوفي"، وهي أم لستة أطفال، إن العائلة تحقق أكثر من 50 ألف جنيه إسترليني سنويًا من المحتوى الذي تنشره عبر منصاتها المختلفة. وتضيف: "صناعة المحتوى غيّرت حياتنا بالكامل. في البداية كان الأطفال الصغار مهتمين فقط بمعرفة روتين إيلي للعناية بالبشرة، ثم بدأ عدد المتابعين يكبر تدريجيًا حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم".
وتقدم بعض المؤثرات الصغيرات أنفسهن كسفيرات لعلامات تجارية مثل "Bubble" و"Drunk Elephant" و"P. Louise"، فيما تنتشر مجموعات مستوحاة من ثقافة العناية بالبشرة الكورية تعد المستخدمات بالحصول على بشرة أكثر إشراقًا وصفاءً.
في المقابل، تؤكد بعض العلامات التجارية أنها لا تستهدف الأطفال بشكل مباشر، ويقول مصدر مقرب من "Drunk Elephant" إن الشركة لا تعد نفسها علامة موجهة للشباب، وتسعى إلى توعية المستهلكين بكيفية استخدام منتجاتها بصورة مسؤولة، وفقًا لـ "BBC".
صناعة بمليارات الجنيهات
وتواصل سوق العناية بالبشرة نموها السريع، مدفوعة بالمحتوى المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفع بعض الجهات التنظيمية إلى التحذير من التأثيرات المحتملة لهذا الاتجاه.
وتقول بروك إيرين دافي، الأستاذة المشاركة في جامعة كورنيل والمتخصصة في أبحاث وسائل التواصل الاجتماعي: "لسنوات، ركزت شركات العناية بالبشرة على النساء في الثلاثينيات والأربعينيات، مقدّمة الشيخوخة باعتبارها مشكلة تستدعي حلولًا تجميلية، أما اليوم، فقد امتدت هذه الرسائل إلى الفتيات الصغيرات أيضًا".
وكان البروفيسور الإيطالي جيوفاني دامياني من جامعة ميلانو من أوائل من درسوا الظاهرة بعد ملاحظته سلوكيات متكررة لدى مرضى صغار السن، وأجرى مقابلات مع 55 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 8 و14 عامًا.
ووجد أن الأطفال الذين أظهروا علامات هذا الهوس كانوا يقضون ساعات طويلة في مشاهدة محتوى العناية بالبشرة عبر الهواتف المحمولة، ويستخدمون أحيانًا ما يصل إلى 10 منتجات يوميًا، كما يتجنب بعضهم الظهور أمام الآخرين أو حتى أفراد أسرهم دون مكياج.
مخاطر منتجات العناية بالبشرة على الصغار
وتقول الدكتورة جين آير، استشارية الأمراض الجلدية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية "NHS"، "المفارقة أن هؤلاء الأطفال يمتلكون البشرة التي يحلم بها كثيرون، التي تكون نضرة بطبيعتها في سن صغيرة، وحاجزها الواقي يعمل بكفاءة عالية، وهذا جزء من جمال البشرة في مرحلة الشباب".
وتشير إلى أنها تشهد تزايدًا في أعداد الأطفال الذين يعانون من أمراض جلدية مرتبطة باستخدام مستحضرات العناية بالبشرة، من بينها الحساسية والتهاب الجلد التماسي، مشيرةً إلى أن بعض المنتجات تحتوي على مكونات نشطة مثل الريتينول، الذي يتسبب في تهيج البشرة وإضعاف حاجزها الواقي وظهور طفح جلدي أو حساسية طويلة الأمد.
كما تربط بعض الدراسات بين الاستخدام المبكر والمكثف لمنتجات الوجه وبين ارتفاع معدلات بعض المشكلات الجلدية لدى الشباب، من بينها الثعلبة الليفية الأمامية.
ويقول الطبيب النفسي الإيطالي ألبرتو ستيفانا إن الأطفال الذين يصبحون مهووسين بالعناية بالبشرة يربطون تقديرهم لذاتهم بما يحصلون عليه من إعجابات وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويضيف أن أبحاثه تشير إلى وجود تقاطعات بين هذه الظاهرة واضطراب تشوه الجسم "BDD"، وهو اضطراب نفسي يجعل الشخص منشغلًا بصورة مفرطة بعيوب يعتقد بوجودها في مظهره، ويشير إلى أنه بات يلاحظ حالات لأطفال في السابعة أو الثامنة من العمر يشعرون بالخجل والقلق بسبب المقارنات المستمرة مع الآخرين على الإنترنت.
من جهتها، تؤكد منصة "تيك توك" أنها تطبق إجراءات خاصة لحماية المراهقين، ولا تسمح بالإعلانات الموجهة لمن هم دون 18 عامًا، كما توفر أدوات دعم للآباء، لكن ستيفانا يقول: "حتى معايير الجمال نفسها باتت مشوشة، فبعض الصور التي يشاهدها الأطفال على الإنترنت صُنعت باستخدام الفلاتر أو تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يجعلهم يسعون إلى صورة مثالية لا وجود لها في الواقع".












