أطلق المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، تحذيرًا شديد اللهجة بشأن التهديد المتزايد والمميت الذي تشكله الحرارة الشديدة على الصحة العامة، تزامنًا مع موجات الارتفاع القياسي في درجات الحرارة التي تشهدها مناطق واسعة حول العالم.
وأكد غيبريسوس، خلال مؤتمر صحفي عُقد في جنيف، أن الحرارة تمثل أحد أخطر التهديدات المتصاعدة بسرعة نتيجة للتغير المناخي، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة تتسبب في وفاة نحو 500 ألف شخص سنويًا في جميع أنحاء العالم.
وتشدد المنظمة على ضرورة تركيز التدابير الوقائية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتهم كبار السن والأطفال والنساء الحوامل والمصابون بأمراض مزمنة، بالإضافة إلى العمال والفئات الاجتماعية المحرومة.
واستنادًا إلى دراسة علمية تتبعت درجات الحرارة العالمية ومعدلات الوفيات بين عامي 2000 و2019، تبيّن أنه على الرغم من أن الوفيات المرتبطة بالبرد كانت تفوق مثيلتها المرتبطة بالحرارة خلال تلك الفترة، فإن مؤشر الوفيات الناجمة عن البرد يشهد تراجعًا مستمرًا، في مقابل قفزة ملحوظة بالوفيات المرتبطة بالحرارة الشديدة.
أوروبا في عين العاصفة
وفي سياق متصل، تعيش القارة الأوروبية تحت وطأة موجة حر قاسية لا تمنح سكانها أي مهلة للاستراحة، حيث تشير التوقعات إلى واجهة أكثر من 101 مليون أوروبي لدرجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، وهي معدلات تفوق الطقس في أجزاء من أفريقيا.
وبدأت دول مثل فرنسا وإسبانيا، باعتبارهما الأكثر تضررًا، في إحصاء الخسائر البشرية التي طالت الأطفال أيضًا.
وكشفت بيانات الأرصاد الجوية الألمانية وتوقعات مركز الأبحاث المشترك الأوروبي لعام 2025، أن أكثر من 380 مليون شخص في أوروبا سيواجهون درجات حرارة تتخطى 30 درجة مئوية.
بصمات التغير المناخي
ويُرجع العلماء والمسؤولون هذه الأزمة إلى التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية، والذي تفاقم بسبب البنية التحتية والمباني غير المهيأة لمثل هذه الظروف.
حيث صرّح رئيس مناخ الأمم المتحدة، سيمون ستيل، بأن بصمات أزمة المناخ وتلوث الوقود الأحفوري واضحة تمامًا وراء هذه الموجة السامة، محذرًا من أن استمرار حرق الفحم والنفط والغاز سيجعل الحرارة الشديدة أكثر سوءًا.
وقد وضعت معظم الأراضي الفرنسية تحت الإنذار الشديد مع تأثر نحو 63 مليون مواطن بحرارة تفوق 30 درجة مئوية، وهو المشهد ذاته الذي يتكرر مع ملايين السكان في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا، ورغم توقع انخفاض الحرارة غربًا، فإن شرق أوروبا يترقب ذروة الموجة باللون الأحمر.
وعلى أرض الواقع، تسببت الحرارة في تعطل قطاعات الحيوية مثل إعلان شركة الطاقة السويسرية "أكسبو" عن إغلاق محطة "بايزناو" النووية مؤقتًا بسبب سخونة مياه نهر آر.
وفي المدن الكبرى، لجأ المواطنون لأساليب مبتكرة للتبريد؛ ففي باريس التي تخطت 40 درجة مئوية، نام العشرات في الحدائق وتحت النجوم هربًا من منازلهم الخانقة، وتدفق آخرون للسباحة في القنوات المائية بعد السماح بها.
وفي المقابل، عبر سكان بروكسل عن استيائهم من غياب المسابح والمرافق العامة المفتوحة التي تساعدهم على تحمل درجات حرارة قاربت 40 درجة مئوية في مدينة يقطنها أكثر من مليون نسمة.
الفئات الأكثر تضررًا
وتتزايد المخاوف الطبية من الجفاف وضربات الشمس، خاصة في دور الرعاية؛ حيث أوضحت إدارة دار رعاية "كينغزلي كورت" في لندن أن المسنين المصابين بالخرف يواجهون خطرًا مضاعفًا لأنهم ينسون طلب الماء، وتأتي هذه المخاوف بعد أن حطمت المملكة المتحدة أرقامًا قياسية جديدة لشهر يونيو باقتراب الحرارة من 36 درجة مئوية.
وفي خضم هذه الأزمة الكونية، تلخص لوسين نازيكيان، وهي مسنة تبلغ من العمر 97 عامًا، المشهد قائلة برؤية عميقة: "إن الطبيعة غاضبة منا لأننا ندمر كل شيء"، في إشارة واضحة إلى ضرورة أخذ التحذيرات المناخية على محمل الجد.














