توصلت دراسة أولية جديدة إلى أن بعض الأدوية المستخدمة لعلاج الإنفلونزا قد تساعد في الحد من التدهور المعرفي المرتبط بفيروس HIV، ما قد يفتح المجال أمام استراتيجيات علاجية جديدة لتحسين جودة حياة المصابين بالفيروس.
ويعاني نحو 24% من الأشخاص المصابين بفيروس HIV من درجات متفاوتة من الضعف المعرفي، تشمل مشكلات في التركيز والانتباه والقدرة على أداء عدة مهام في الوقت نفسه، وقد تستمر هذه الأعراض حتى لدى الأشخاص الذين يتلقون العلاج المضاد للفيروسات بانتظام.
ويكتسب هذا الملف أهمية متزايدة مع تقدم أعمار المصابين بفيروس HIV، إذ تشير بيانات أمريكية إلى أن أكثر من نصف المصابين بالفيروس في الولايات المتحدة كانوا فوق سن الخمسين عام 2022، وهي نسبة مرشحة للارتفاع خلال السنوات المقبلة.
سبب التدهور المعرفي
ركزت الدراسة، التي نُشرت في دورية Med العلمية، على جزيئات سكرية تُعرف باسم "الغليكانات"، وهي مركبات تلعب دورًا مهمًا في تنظيم الاستجابة المناعية وتقليل الالتهابات داخل الجسم.
وتوجد هذه الجزيئات في أنحاء مختلفة من الجسم، بما في ذلك مجرى الدم، حيث ترتبط بالبروتينات والدهون وتساعد في تنظيم عمل الجهاز المناعي والحد من الالتهابات المزمنة. وأشار الباحثون إلى أن مستويات بعض هذه الجزيئات تنخفض مع التقدم في العمر، كما أن الأشخاص المصابين بفيروس HIV قد يواجهون هذا التراجع في وقت مبكر مقارنة بغيرهم، ما يساهم في زيادة الالتهابات المزمنة المرتبطة بالتدهور المعرفي.
اعتمدت الدراسة على تحليل عينات دم لأكثر من 100 شخص مصاب بفيروس HIV، وتبين أن الأشخاص الذين أظهروا علامات ضعف معرفي لديهم مستويات أقل من نوعين من الغليكانات المرتبطة بالحد من الالتهابات، وهما حمض السياليك والجالاكتوز.
كما كانت هذه العلاقة أكثر وضوحًا لدى النساء، إلا أن الباحثين أكدوا أن أسباب ذلك لا تزال غير واضحة، مع ترجيحات بإمكانية ارتباطها بالتغيرات الهرمونية وانخفاض مستويات هرمون الإستروجين لدى بعض الفئات العمرية.
وللتحقق من هذه النتائج، أجرى الباحثون تجارب على نماذج حيوانية، حيث لاحظوا أن الإصابة بالفيروس ارتبطت بانخفاض مستويات هذه الجزيئات وارتفاع مؤشرات الالتهاب، إلى جانب تراجع الأداء في اختبارات الذاكرة والإدراك.
كيف دخلت أدوية الإنفلونزا إلى الصورة؟
اختبر الباحثون فئة من الأدوية تُعرف باسم "مثبطات السياليداز"، وهي أدوية تعمل على منع تكسير حمض السياليك. ومن أشهر الأمثلة عليها دواء "تاميفلو" المستخدم لعلاج الإنفلونزا.
ويعتمد فيروس الإنفلونزا على حمض السياليك في إصابة الخلايا والانتشار داخل الجسم، وهو ما يفسر استخدام هذه الفئة من الأدوية في علاج الإنفلونزا أساسًا.
وأظهرت النتائج أن هذه الأدوية ساعدت، في النماذج الحيوانية، على الحفاظ على مستويات حمض السياليك وتقليل الالتهابات وتحسين الأداء المعرفي ومنع تراجع الذاكرة.
وشدد الباحثون على أن النتائج ما تزال في مرحلة مبكرة، إذ اعتمدت الدراسة على عينات بشرية وتجارب أجريت على الفئران، وبالتالي لا يمكن اعتبار أدوية الإنفلونزا علاجًا معتمدًا لمشكلات الإدراك المرتبطة بفيروس HIV في الوقت الحالي.
ويرى الباحثون أن الهدف المستقبلي ليس بالضرورة استخدام أدوية الإنفلونزا نفسها لعلاج هذه المضاعفات، بل تطوير علاجات قادرة على منع تكسير الغليكانات أو تعويض النقص فيها للحد من الالتهابات المزمنة المرتبطة بالفيروس.
لكن الدراسة تقدم دليلًا أوليًا على وجود آلية بيولوجية قد تفسر جزءًا من التدهور المعرفي لدى المصابين بفيروس HIV، ما قد يساعد مستقبلًا في تطوير علاجات جديدة. كما يرى الباحثون أن هذه الآلية قد ترتبط أيضًا ببعض المشكلات الصحية الأخرى المرتبطة بالتقدم في العمر لدى المصابين بالفيروس، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية.
اقرأ أيضًا:
تفشي إيبولا يتسع في أفريقيا.. هل يتحول إلى جائحة عالمية؟












