تشير دراسة علمية حديثة إلى تفسير غير متوقع لانخفاض معدلات الإصابة بمرض السكري في المناطق المرتفعة، حيث تلعب خلايا الدم الحمراء دورًا أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا في تنظيم مستويات السكر في الدم، وهو ما قد يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة.
المرتفعات.. نقص الأكسجين يغير قواعد اللعبة
لطالما لاحظ العلماء أن سكان المناطق المرتفعة، مثل جبال الأنديز والهيمالايا، يتمتعون بمعدلات أقل للإصابة بمرض السكري مقارنة بغيرهم. ورغم وضوح هذه الظاهرة، ظل السبب الحقيقي وراءها غير مفهوم لسنوات طويلة، إلى أن بدأت الأبحاث الحديثة في كشف خيوط هذا اللغز.
أوضحت الدراسة أن البيئات منخفضة الأكسجين، أو ما يُعرف بحالة "نقص التأكسج"، تُحدث تغيرات عميقة في طريقة تعامل الجسم مع الجلوكوز، فعند انخفاض مستويات الأكسجين، لا تكتفي الأعضاء التقليدية مثل العضلات والكبد باستهلاك السكر، بل تدخل خلايا الدم الحمراء على خط المواجهة.
خلايا الدم الحمراء.. لاعب غير متوقع
كشفت التجارب التي أُجريت على الفئران أن خلايا الدم الحمراء تمتص كميات أكبر من الجلوكوز في ظروف نقص الأكسجين، وتحوّله إلى مركب يساعد الهيموجلوبين على إطلاق الأكسجين بكفاءة أكبر إلى الأنسجة، فهذه العملية لا تدعم فقط تزويد الجسم بالأكسجين، بل تساهم أيضًا في خفض مستويات السكر في الدم بشكل ملحوظ.
عند تعريض فئران لبيئة تحتوي على 8% فقط من الأكسجين، لوحظ انخفاض واضح في مستويات السكر مقارنة بفئران عاشت في ظروف طبيعية، والأهم أن هذا التأثير استمر حتى بعد إعادة الفئران إلى بيئة غنية بالأكسجين، ما يشير إلى حدوث تغييرات طويلة الأمد في عملية التمثيل الغذائي.
كما أظهرت التجارب أن تقليل عدد خلايا الدم الحمراء ألغى هذا التأثير، بينما أدى نقل هذه الخلايا إلى فئران أخرى إلى خفض مستويات السكر لديها، ما يعزز فرضية أن هذه الخلايا تلعب دورًا مباشرًا في تنظيم الجلوكوز.
بروتينات ناقلة تزيد الكفاءة
وجد الباحثون أن خلايا الدم الحمراء في ظروف نقص الأكسجين تحتوي على مستويات أعلى من بروتين GLUT1 المسؤول عن إدخال الجلوكوز إلى الخلية، وقد ضاعفت هذه الخلايا قدرتها على امتصاص السكر عدة مرات مقارنة بالخلايا الطبيعية، ما يفسر اختفاء كميات كبيرة من الجلوكوز من الدم.
يرى العلماء أن هذه الآلية تمثل تكيفًا تطوريًا يساعد الجسم على التعامل مع نقص الأكسجين، حيث يتم تحسين توصيل الأكسجين للأنسجة بالتوازي مع خفض مستويات السكر، كما أن زيادة إنتاج خلايا الدم الحمراء في المرتفعات، نتيجة إفراز هرمون الإريثروبويتين، يعزز هذه العملية.
آفاق علاجية واعدة
تفتح هذه النتائج الباب أمام تطوير أدوية جديدة تحاكي تأثير نقص الأكسجين، مثل المركب التجريبي “HypoxyStat”، الذي يعمل على تعديل طريقة ارتباط الهيموجلوبين بالأكسجين، ويأمل الباحثون أن يؤدي ذلك إلى تحفيز الجسم على امتصاص المزيد من الجلوكوز، وبالتالي تحسين السيطرة على مرض السكري.
بين الأمل والحذر
رغم النتائج الواعدة، يؤكد العلماء أن هذه الدراسات لا تزال في مراحلها الأولى، وأن تطبيقها على البشر يتطلب المزيد من الأبحاث والتجارب السريرية، كما أن استخدام نقل خلايا الدم الحمراء كعلاج مباشر لا يُعد خيارًا عمليًا في الوقت الحالي.
وفي ضوء هذه الاكتشافات، قد يتغير فهمنا التقليدي لمرض السكري، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على الأنسجة المعروفة مثل البنكرياس والعضلات، بل امتد ليشمل مكونات أخرى في الدم نفسه.
وفي حال تأكيد هذه النتائج لدى البشر، فقد نشهد مستقبلًا ظهور علاجات مبتكرة تعتمد على إعادة برمجة وظائف خلايا الدم الحمراء، مما يمثل تحولًا جذريًا في التعامل مع أحد أكثر الأمراض انتشارًا في العالم.
اقرأ أيضًا:
الغضروف التالف قد يتجدد.. أبحاث حديثة تكشف الاحتمالات











