يعتقد غالبية الناس أن المزيد من الحركة يعني حرق سعرات أكثر، وبالتالي فقدان وزن أسرع، لكن الواقع لا يسير بهذه الدقة، حيث تكشف دراسات حديثة أن التمارين الرياضية لا تؤدي دائمًا إلى فقدان الوزن المتوقع، حتى مع الالتزام بروتين منتظم، وفي تجارب مضبوطة، خسر المشاركون بضعة كيلوجرامات فقط خلال أشهر من النشاط المستمر، وهو رقم أقل بكثير مما تتنبأ به حسابات السعرات التقليدية.
هذه الفجوة بين التوقعات والنتائج دفعت العلماء لإعادة النظر في طريقة فهمنا لعلاقة التمرين بالطاقة.
الجوع ليس التفسير الوحيد
لطالما اعتُبر الشعور المتزايد بالجوع بعد التمرين سببًا رئيسيًا لتعويض السعرات المحروقة، فببساطة، قد يأكل الشخص أكثر مما حرقه دون أن ينتبه، لكن الباحثين يرون أن هذه ليست القصة كاملة، فهناك آليات أعمق داخل الجسم تعمل على موازنة الطاقة، وهنا يظهر مفهوم جديد يغيّر قواعد اللعبة: “تعويض الطاقة”.
تعويض الطاقة.. الجسم يعيد توزيع الاستهلاك
تشير أبحاث حديثة إلى أن الجسم لا يحرق كل السعرات الإضافية الناتجة عن التمارين كما نتوقع، فعلى سبيل المثال، تمرين يُفترض أن يحرق 500 سعرة حرارية قد يضيف فعليًا نحو ثلث هذا الرقم فقط إلى إجمالي الحرق اليومي.
ويُعتقد أن الجسم يعوّض هذا الفرق عبر تقليل استهلاك الطاقة في وظائف أخرى، هذه العملية لا تزال غير مفهومة بالكامل، لكنها تُظهر أن الجسم يعمل كنظام ذكي يحافظ على توازنه الداخلي.
نموذج "الاستهلاك المقيد".. سقف للطاقة
تدعم هذه الفكرة دراسات ميدانية، أبرزها أبحاث على مجتمعات نشطة بدنيًا تعيش حياة تقليدية، ورغم نشاطهم العالي، تبين أنهم يحرقون سعرات يومية قريبة من أشخاص أقل حركة.
يفسر العلماء ذلك بنموذج "الاستهلاك المقيد"، حيث يحافظ الجسم على إجمالي إنفاق الطاقة ضمن نطاق محدود، بمعنى آخر، إذا زاد الحرق في التمارين، قد ينخفض في أنشطة أو وظائف أخرى.
كيف يوفّر الجسم طاقته؟
يحدث التعويض بطرق متعددة، بعضها سلوكي وبعضها فسيولوجي، فقد يقل النشاط اليومي غير المقصود، مثل الحركة الخفيفة أو الوقوف أو حتى التململ، كما يمكن أن ينخفض إنتاج الحرارة أو يتباطأ بعض العمليات الحيوية.
وتشير أبحاث إلى تغيرات في نشاط هرمونات مرتبطة بالمناعة والغدة الدرقية، ما قد يؤثر على معدل الأيض.
ليس الجميع متساوين في الاستجابة
المثير للاهتمام أن ظاهرة التعويض لا تحدث لدى الجميع بنفس الدرجة، فبعض الأشخاص يظهرون تعويضًا واضحًا، بينما لا يتأثر آخرون بشكل يُذكر.
ويرجّح الباحثون أن ذلك مرتبط بكفاءة الجسم في أداء التمارين مع مرور الوقت، كلما أصبح الجسم أكثر كفاءة، احتاج طاقة أقل لإنجاز نفس المجهود.
ورغم تزايد الأدلة، لا يتفق جميع العلماء على وجود التعويض بشكل ثابت، فبعض الدراسات وجدت علاقة خطية بين النشاط البدني وحرق السعرات، دون أي انخفاض في وظائف أخرى.
وفي هذه الحالات، كلما زاد النشاط، زاد الحرق كما تتوقع النماذج التقليدية، ما يشير إلى أن الظاهرة قد تعتمد على ظروف معينة، مثل توازن الطاقة أو حالة الجسم الغذائية.
متى يحدث التعويض؟
تشير الأدلة إلى أن التعويض يظهر غالبًا عندما يكون الجسم في حالة نقص في السعرات، أي عندما يحاول الشخص إنقاص وزنه، يبدأ الجسم في الحفاظ على الطاقة بشكل أكبر.
أما في حالات التوازن أو الفائض الغذائي، فقد لا يحدث هذا التعويض بنفس القوة، وهذا يفسر لماذا تختلف نتائج فقدان الوزن بين الأشخاص رغم اتباع نفس التمارين.
الفائدة الحقيقية للتمارين الرياضية
رغم كل ذلك، لا يعني هذا أن التمارين غير فعالة، بل على العكس، تلعب دورًا مهمًا في تثبيت الوزن وتحسين الصحة العامة، فهي تعزز حساسية الأنسولين، وتحسّن مستويات الكوليسترول، وتقلل الالتهابات، كما تقلل خطر الإصابة بأمراض مزمنة على المدى الطويل.
وتكشف هذه الأبحاث أن الجسم أكثر تعقيدًا مما نظن، وأنه لا يعمل كآلة حسابية بسيطة للسعرات، فبدلًا من التركيز على التمارين كوسيلة مباشرة لفقدان الوزن، ينبغي النظر إليها كجزء من منظومة صحية متكاملة، فالنظام الغذائي، ونمط الحياة، والعوامل البيولوجية كلها تلعب دورًا في النتيجة النهائية.
وتبقى التمارين استثمارًا طويل الأمد في الصحة، حتى لو لم تنعكس سريعًا على الميزان.
اقرأ أيضًا:
لا تتوقفي عن الحركة.. دليلك لتمارين رياضية آمنة أثناء الحمل











