تتجه الأنظار في الخامس عشر من مايو الجاري إلى مقر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إذ يشهد هذا التاريخ نهاية حقبة جيروم باول على رأس أقوى بنك مركزي في العالم، وبدء ولاية كيفن وارش الذي نال ثقة مجلس الشيوخ مؤخرًا.
إلا أن هذا الانتقال، الذي كان من المفترض أن يكون خروجًا تقليديًا لباول، تحول إلى واحدة من أكثر المناورات السياسية والاقتصادية تعقيدًا في تاريخ واشنطن؛ فبدلًا من أن يحزم أمتعته ويرحل؛ أعلن باول تمسكه بمقعده في مجلس الإدارة حتى عام 2028، في خطوة وصفت بأنها محاولة لفرض "وصاية مؤسسية" وحماية استقلال البنك من ضغوط البيت الأبيض المتزايدة.
وتعود الأسباب العميقة خلف هذا القرار الاستثنائي إلى حالة صدام غير مسبوقة بين باول وإدارة الرئيس ترامب، والتي بلغت ذروتها بفتح تحقيقات جنائية من قبل وزارة العدل بشأن ميزانية تجديدات مبنى الفيدرالي.
ورُغم أن السلطات الفيدرالية أعلنت مؤخرًا إسقاط هذه التحقيقات، إلا أن باول لا يزال ينظر إليها "كريبة" سياسية، واصفًا إياها بأنها كانت مجرد "ذريعة" للضغط على قراراته النقدية.
أسباب بقاء باول في منصبه
ويؤكد باول أن بقاءه في المجلس ليس رغبة في السلطة، بل هو ضرورة قصوى لضمان انتهاء هذه "الهجمات غير القانونية" والتحقيقات بشكل كامل ونهائي وبمنتهى الشفافية، مشددًا على أن الأحداث المتلاحقة في الأشهر الثلاثة الأخيرة لم تترك له خيارًا سوى البقاء لمشاهدة هذه العملية حتى نهايتها، وحماية قدرة البنك على وضع السياسة النقدية دون النظر للاعتبارات الحزبية.
قرار باول بالبقاء كـ "محافظ" بعد أن كان "رئيسًا" هو خطوة تكتيكية تمنع الإدارة من ملء مقعده بعضو قد يكون أكثر استجابة للرغبات السياسية، مما يجعل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي في عهد وارش ساحة لـ "صراع الرؤى" بين الحرس القديم المتمثل في باول، والإدارة الجديدة الساعية لتحفيز النمو الاقتصادي مهما كانت الأثمان التضخمية.
لخص باول موقفه الأخير بوصف المؤسسة بأنها تتعرض لـ "البطش" عبر اعتداءات قانونية وسياسية، مؤكدًا أن الدفاع عن استقلال البنك المركزي هو معركة وجودية تتطلب منه البقاء في خندق القرار.
ومن الناحية الاقتصادية، يأتي بقاء باول ليمثل صمام أمان في وجه "رياح التضخم" التي تذكيها نيران الحرب في إيران؛ فمع وصول أسعار نفط برنت إلى مستوى 119 دولارًا للبرميل، بات التضخم الأمريكي يقبع عند 3.3%، وهو ما يتجاوز بكثير هدف البنك المركزي البالغ 2%.
وارش.. ذراع البيت الأبيض
بينما يتبنى الرئيس الجديد كيفن وارش رؤية أكثر تفاؤلًا في إمكانية خفض الفائدة بفضل مكاسب الإنتاجية الموعودة من الذكاء الاصطناعي؛ يظل باول متمسكًا بنهج "الانتظار والمراقبة".
بقاء باول في مجلس الإدارة يعني احتفاظه بحق التصويت داخل لجنة تحديد الفائدة، مما يمنحه القدرة على موازنة أي اندفاع سياسي قد يقوده وارش لخفض الفائدة استجابة لضغوط البيت الأبيض، خاصة وأن وارش لا يملك سوى صوتًا واحدًا من أصل 12 صوتًا في اللجنة.
تصدع فيدرالي
وتعكس هذه الوضعية الجديدة انقسامًا حادًا داخل أروقة الفيدرالي حول المسار المستقبلي؛ فبينما يرى مؤيدو ترامب، مثل السيناتور توم تيليس أن وارش هو القائد المناسب للمرحلة القادمة، تحذر أصوات أخرى، مثل السيناتور إليزابيث وارن من أن الضغوط السياسية لا تزال مستمرة وأن استقلال البنك بات في خطر حقيقي.
وبذلك، تدخل الولايات المتحدة مرحلة "القيادة المزدوجة" غير المعلنة، إذ يمتلك وارش المطرقة الرسمية للرئاسة، بينما يمتلك باول الخبرة والحق في التصويت، ليشكل مع أنصاره حائط صد ضد أي محاولة لتحويل السياسة النقدية إلى أداة لخدمة الطموحات الانتخابية، في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية بقلق نتائج هذا الاشتباك التاريخي تحت سقف مبنى "إيكلز".












