شهدت أسواق الطاقة العالمية تحركات غير مسبوقة دفعت الولايات المتحدة إلى الاقتراب من التحول إلى مُصدّر صافٍ للنفط الخام الأسبوع الماضي، في سابقة قد تكون الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، مع ارتفاع ملحوظ في حجم الصادرات لتلبية طلب متزايد من أسواق آسيا وأوروبا التي تسعى لتعويض نقص الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط بفعل الحرب الإيرانية.
واشنطن تقترب من تصدير النفط
ووفقًا لـ"رويترز" أدت التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى اضطراب واسع في تدفقات الطاقة العالمية، بعدما تسببت التهديدات المرتبطة بالملاحة في تعطّل قرابة خُمس إمدادات النفط والغاز المارة عبر مضيق هرمز.
وفي ظل هذا الاضطراب، لجأت المصافي في آسيا وأوروبا إلى تنويع مصادرها بشكل عاجل، ما عزز الطلب على الخام الأمريكي باعتباره أحد البدائل الرئيسية في السوق العالمية، كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط عالميًا.
ورغم هذا الارتفاع في الصادرات، تشير تقديرات المحللين إلى اقتراب الولايات المتحدة من حدود قدرتها التصديرية، في وقت تراجع فيه صافي واردات النفط الخام إلى 66 ألف برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ عام 2001، بينما صعدت الصادرات إلى 5.2 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى في سبعة أشهر.
ويرى مختصون في أسواق الطاقة أن هذا التحول يعكس إعادة توجيه سلاسل الإمداد عالميًا نحو أسواق أبعد، في ظل تغيرات الأسعار وارتفاع تكاليف الشحن.كما بدأت دول مثل اليونان استيراد النفط الخام الأمريكي لأول مرة في تاريخها خلال الفترة الأخيرة.
النفط الأمريكي يوسع نطاق تصديره عالميًا
أظهرت بيانات تتبع حركة السفن الصادرة عن شركة "كيبلر" أن تدفقات النفط الخام الأمريكي اتجهت بشكل متزايد نحو الأسواق الخارجية خلال الأسبوع الماضي، حيث استحوذت أوروبا على نحو 2.4 مليون برميل يوميًا، ما يمثل 47% من إجمالي الصادرات، فيما توجهت نحو 1.49 مليون برميل يوميًا إلى آسيا بنسبة 37%، مقارنة بنحو 30% في الفترة نفسها من العام الماضي.
وضمت قائمة أبرز المستوردين كلاً من هولندا واليابان وفرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية، في حين أشارت البيانات إلى شحنة تحمل 500 ألف برميل في طريقها إلى تركيا، في أول عملية تصدير من نوعها إلى البلاد منذ عام على الأقل وفق تقديرات “كيبلر”.
وفي المقابل، تراجعت واردات الولايات المتحدة بأكثر من مليون برميل يوميًا لتسجل 5.3 مليون برميل يوميًا، رغم استمرار اعتماد المصافي الأمريكية على أنواع النفط الثقيل والحامض المستورد، نظرًا لملاءمته للبنية التشغيلية.
كما ساهم اتساع الفجوة السعرية، التي بلغت نحو 20.69 دولارًا للبرميل الشهر الماضي، في تقليص شهية الاستيراد داخل الولايات المتحدة، مقابل تعزيز الطلب الخارجي على الخام الأمريكي في أوروبا وآسيا.
وسجلت أسعار شحنات النفط الخام الفورية المتجهة إلى أوروبا قفزة غير مسبوقة لتقترب من 150 دولارًا للبرميل يوم الاثنين، في حين واصلت الشحنات المصدرة إلى القارة الأفريقية تسجيل مستويات قياسية جديدة، بحسب بيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية وتجار السوق.
حدود سقف التصدير
تشير تقديرات المحللين في شركة "كيبلر" إلى أن صادرات النفط الخام الأمريكي قد تستقر عند نحو 5.2 مليون برميل يوميًا خلال شهر أبريل، مع اقترابها من الحدود القصوى للطاقة التصديرية المتاحة على أساس شهري.
ويرى تجار ومختصون في أسواق الطاقة أن القدرة القصوى للولايات المتحدة قد تصل إلى 6 ملايين برميل يوميًا، إلا أن ذلك يظل مقيدًا بعوامل لوجستية تشمل محدودية خطوط الأنابيب وتوفر ناقلات النفط، رغم تسجيل صادرات قياسية بلغت 5.6 مليون برميل يوميًا في عام 2023.
ويؤكد متعاملون في السوق أن مستويات التصدير الحالية تقترب من سقفها الفعلي، موضحين أن أي زيادة إضافية في الشحنات ترفع تكاليف النقل والخدمات اللوجستية بشكل ملحوظ.
وفي السياق ذاته، أشار محللون في شركة "ريستاد" إلى أن سحب النفط الخام متوسط الحموضة من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي قد يدعم زيادة صادرات الخام الأمريكي الخفيف منخفض الكبريت، رغم أن نقص ناقلات النفط وارتفاع تكاليف الشحن قد يضغطان على الصادرات.
كما أوضح محللون في شركة "فورتيكسا" أن نحو 80 ناقلة نفط عملاقة كانت متجهة إلى خليج المكسيك، ما يشير إلى احتمالية شحن كميات إضافية من الخام خلال شهري أبريل ومايو.
اقرأ أيضًا:
الحرب مع إيران تهدد الاقتصاد العالمي بركود جديد
كيف تحافظ المملكة على توازن أسواق الطاقة رغم الأزمات؟
تداعيات الحصار البحري الأمريكي لإيران على أسواق الطاقة














