قال الدكتور خالد الحجاج، المحامي والمستشار القانوني، إن إثارة النعرات القبلية عبر منصات التواصل الاجتماعي تُعد من السلوكيات المحظورة نظامًا في المملكة العربية السعودية، مشددًا على أن الأنظمة القائمة تعتبر أي محتوى يؤدي إلى الفرقة أو الفتنة أو الانقسام فعلًا مجرّمًا، سواء صدر في سياق فردي أو عبر منصات رقمية أو حتى في مجالس خاصة.
وجاءت تصريحات الحجاج خلال حديثه في برنامج "يا هلا" على قناة "روتانا خليجية" مطوّل تناول فيه الإطار القانوني للتعصب القبلي وحدود حرية التعبير، إلى جانب التكييف النظامي لهذه الأفعال والعقوبات المترتبة عليها، وذلك في سياق نقاش حول ما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي من عبارات تحمل طابعًا قبليًا أو تحريضيًا.
وفي مستهل الحوار، أوضح الحجاج أن النظام السعودي ينظر إلى القبيلة باعتبارها جزءًا من النسيج المجتمعي، قائلًا: "النظام السعودي يحمي القبيلة ويحمي منها، لأنها جزء من مكونات المجتمع، لكنها تبقى ضمن إطار المجتمع الواحد".
وأضاف أن النظام الأساسي للحكم وضع إطارًا واضحًا لمنع أي سلوك يؤدي إلى الانقسام، موضحًا: "المادة 12 من النظام الأساسي للحكم تنص على أن تعزيز الوحدة الوطنية مطلب، ويُمنع كل ما يؤدي إلى الفرقة أو الفتنة أو الانقسام، وبالتالي أي فعل يسبب ذلك يُعد مجرمًا".
وأشار إلى أن الأنظمة الأخرى عززت هذا التوجه، خصوصًا نظام الجرائم المعلوماتية ونظام الإعلام المرئي والمسموع، حيث تم النص صراحة على منع إثارة النعرات القبلية. وبيّن أن الاعتزاز بالقبيلة مسموح به نظامًا، لكنه مقيد بعدم الإضرار بالآخرين.
وقال الحجاج: "يحق لك أن تفتخر بقبيلتك، لكن بما لا يسيء للآخرين، لأن الدولة تحترم هذا الانتماء، لكنها تقف عند حد الإساءة أو الانتقاص". وحول العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والجرائم المعلوماتية، أكد الحجاج أن هناك ارتباطًا مباشرًا، موضحًا: "إثارة النعرات القبلية عبر المنصات الرقمية تدخل مباشرة ضمن نظام الجرائم المعلوماتية، لأن فيها إثارة للرأي العام".
ما هي عقوبة إثارة النعرات القبلية؟
وأشار إلى أن المادة السادسة من النظام تنص على عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامات مالية قد تصل إلى ثلاثة ملايين ريال، أو إحدى هاتين العقوبتين، في حال إنتاج أو نشر محتوى من شأنه إثارة الرأي العام أو الإخلال بالنظام العام.
وفي تفصيله للفرق بين الرأي والجريمة، أوضح الحجاج أن الرأي يجب أن يكون موضوعيًا وغير مسيء، قائلًا: "الرأي المفترض أن يكون موضوعيًا ومستندًا إلى حقائق، أما إذا تضمن إساءة أو انتقاصًا من الآخرين، فإنه يتحول إلى جريمة حتى لو سُمي رأيًا".
وأضاف أن الأسلوب غير المباشر مثل الهمز أو اللمز يدخل في نطاق الإساءة، موضحًا أن العبرة ليست بالتسمية بل بالمضمون والأثر.
وفي حديثه عن الحد الفاصل بين حرية التعبير وإثارة النعرات، قال: "حرية التعبير لا تعني الإساءة للآخرين، حتى الفخر إذا فُهم منه التقليل من الآخرين يُعد تجاوزًا". واستشهد الحجاج بعدد من النصوص الشرعية، موضحًا أن الفقهاء فرّقوا بين الفخر المشروع والتفاخر المذموم إذا تضمن إساءة، قائلًا: "حتى في الشريعة، إذا كان التفاخر فيه إساءة فهو من الجاهلية كما ورد في النصوص".
وفيما يتعلق بالسوابق القضائية، أوضح أن هناك العديد من القضايا التي عوقب فيها أفراد بسبب محتوى قبلي أو مسيء، قائلًا: "رأيت قضايا عديدة، منها حكم بالسجن ستة أشهر بسبب قصيدة تضمنت تعريضًا بعائلة معينة، وفق نظام الجرائم المعلوماتية".
وأكد أن العقوبات تختلف بحسب التكييف النظامي، موضحًا: "إذا كانت الجريمة تشهيرًا فقد تصل العقوبة إلى سنة، وإذا كانت إثارة للرأي العام أو مساسًا بالنظام العام فقد تصل إلى خمس سنوات".
وأشار إلى أن وسيلة النشر تلعب دورًا في تحديد النظام المطبق، قائلًا: "إذا كان النشر عبر منصة رقمية يطبق نظام الجرائم المعلوماتية، وإذا كان عبر وسيلة إعلامية يطبق نظام الإعلام المرئي والمسموع، وإذا كان في مجلس خاص فقد يكون التعزير من صلاحية القاضي".
عقوبة إعادة النشر المحتوى المسيء
وفيما يتعلق بإعادة النشر، شدد الحجاج على أنها مسؤولية قانونية كاملة، موضحًا: "إعادة النشر تعني تبني المحتوى، وبالتالي تكون عقوبة المعيد مثل عقوبة الناشر الأصلي".
وأضاف أن الاقتباس قد يختلف بحسب السياق، قائلًا: "إذا كان الاقتباس استنكارًا يُؤخذ في الاعتبار، أما إذا كان تأييدًا أو تضخيمًا للمحتوى المسيء فقد يؤدي إلى تشديد العقوبة".
وحول إثبات الجريمة أمام القضاء، أوضح أن العبرة بالمحتوى وتأثيره، وليس بالنية فقط، قائلًا: "النية مستترة، والقاضي ينظر إلى الفعل الظاهر وما يترتب عليه من أثر أو ضرر محتمل".
وأشار إلى أن حتى المحتوى الذي يثير احتمالية الانقسام أو الفتنة يُعد كافيًا للتجريم إذا ثبت تأثيره.
وفي سياق حديثه عن دور الجهات المختصة، أوضح أن النيابة العامة تقوم بعمليات رصد ومتابعة دون الحاجة إلى بلاغات في بعض الحالات، قائلًا: "النيابة العامة لا تنتظر شكوى دائمًا، بل لديها جهات رصد، وقد تحرك الدعوى مباشرة إذا رأت أن هناك إخلالاً بالنظام العام".
كما أشار إلى أن بعض القضايا تُحال مباشرة إلى المحكمة، خاصة تلك التي تتعلق برفع شعارات أو رموز قبلية في أماكن عامة أو على وسائل التواصل.
وفي ما يتعلق بالمسؤولية الرقمية، أكد الحجاج أن التفاعل مع المحتوى المسيء قد يترتب عليه مسؤولية قانونية، موضحًا: "كل من أعاد النشر أو علق بطريقة تضخيم أو تأييد يتحمل المسؤولية، لأنه وسّع دائرة الضرر".
وحذر من الردود الانفعالية على المحتوى المسيء، قائلًا: "قد تكون ردودك نفسها جريمة إذا حملت إساءة مماثلة، والأفضل اللجوء للجهات الرسمية وتقديم شكوى".
وفي حديثه عن خطورة الظاهرة، شدد على أن التعصب القبلي يمس النسيج المجتمعي بشكل مباشر، قائلًا: "أي شيء يمس النسيج المجتمعي من نعرات قبلية أو مناطقية أو مذهبية يتم التعامل معه بحزم لأنه يؤدي للفرقة والانقسام". وأوضح أن النظام يتعامل بصرامة مع كل ما يهدد الوحدة الوطنية، بغض النظر عن مصدره أو شكله.
وحول مسؤولية المجتمع الرقمي، قال: "المجتمع الرقمي يتحمل مسؤولية كبيرة إذا ساهم في تضخيم هذه الظواهر أو إعادة نشرها دون وعي". وأضاف أن بعض الحالات التي يتم فيها تداول محتوى قديم أو قصائد أو بيانات تؤدي إلى تأجيج الخلافات تُعد مخالفة نظامية.
وفي ختام حديثه، أكد الحجاج أن العقوبات الحالية تُعد رادعة، لكنها تتطلب وعيًا مجتمعيًا أكبر، قائلًا: "العقوبات رادعة جدًا، لكن الأهم أن يعرف الناس حدودهم، وأن يتجنبوا أي محتوى قد يؤدي إلى إثارة النعرات أو الفتنة، لأن الدولة تراقب وتحدد بوضوح هذه الحدود".
ما العقوبة المنتظرة لمثيري التعصب القبلي؟ - لقاء مع د. خالد الحجاجhttps://t.co/VYGOBMpxzk
— برنامج ياهلا (@YaHalaShow) May 4, 2026
اقرأ أيضًا:
كيف يعيد نظام التنفيذ الجديد تشكيل العلاقة بين الدائن والمدين؟
3 تكوينات اجتماعية رسمت ملامح المجتمع السعودي عبر القرون
فيصل الشهراني يستعرض مكانة الشعر في الإسلام وتاريخ المدائح النبوية














