في ولاية كاليفورنيا تدور رحى معركة قانونية طاحنة لم تكن لتخطر على بال أحد قبل سنوات قليلة، فبعد أن كانا صديقين وشريكين في تأسيس حلم تكنولوجي يهدف لخدمة البشرية، يقف اليوم الملياردير إيلون ماسك وسام ألتمان، مؤسسا «أوبن إي أي»، وجهًا لوجه في مواجهة تتجاوز في حجمها حدود الخلاف الشخصي لتصل إلى صراع شرس قد يعيد رسم ملامح مستقبل التكنولوجيا.
وقد انطلقت جلسات هذه المحاكمة التاريخية هذا الأسبوع، ومن المتوقع أن تستمر لنحو ثلاثة أسابيع، ولا تتوقف أهمية هذه القضية عند جدران المحكمة أو أروقة وادي السيليكون، وإنما تمتد تداعياتها لتشمل مستقبل تطوير الذكاء الاصطناعي وقواعد تنظيمه في العالم أجمع.
من صداقة التأسيس إلى اتهامات السرقة
ويروي ماسك من على منصة الشهود أنه صاحب الفكرة والاسم، وأنه من استقطب الكفاءات الأساسية وقدم تمويلًا مبدئيًا بلغ حوالي 44 مليون دولار. ورغم هذا الدور المحوري، تصدع التحالف بمرور الوقت ليغادر ماسك مجلس الإدارة في عام 2018، قائلًا إنه أُجبر على الخروج، وفي المقابل تؤكد الشركة أنه غادر بمحض إرادته بعد رفض منحه السيطرة المطلقة ليؤسس لاحقًا شركته المنافسة في هذا المجال.
ويتمحور الادعاء الأساسي لماسك اليوم حول خيانة الأمانة والاحتيال، حيث يتهم ألتمان ورئيس الشركة جريج بروكمان بتحويل المؤسسة الخيرية إلى آلة لجمع الثروة، تصل قيمتها اليوم إلى نحو 852 مليار دولار، وقد لخص محامو ماسك المشهد أمام هيئة المحلفين بعبارة قاطعة، قائلين إن مؤسسي الشركة «سرقوا مؤسسة خيرية نقطة انتهى».
دفاع هجومي وأزمات داخلية تعصف بالشركة
وعلى الجانب الآخر ترفض الشركة هذه الرواية جملة وتفصيلًا وتعتبر الدعوى مدفوعة بالغيرة ومحاولة لضرب منافس شرس، وهو ما عبر عنه المحامي الرئيسي للشركة ويليام سافيت للمحلفين، بقوله «نحن هنا لأن السيد ماسك لم يحصل على ما يريده مع أوبن إيه آي».
وتأتي هذه المحاكمة في توقيت حرج للغاية للشركة التي تعاني من نزيف مالي حاد، حيث تشير التوقعات الداخلية إلى خسائر تقارب 14 مليار دولار لعام 2026 وحده، مع تراكم خسائر قد تتجاوز 44 مليار دولار قبل تحقيق أي أرباح.
وفي سياق هذه التحديات، اضطرت الشركة مؤخرًا لإغلاق نموذج توليد مقاطع الفيديو «سورا»، الذي كان يستنزف نحو مليون دولار يوميًا في تكاليف الحوسبة، مما أدى لانهيار شراكة مليارية مع ديزني، وتتزامن هذه الأزمات المالية مع تقارير صحفية تصف ألتمان بالكذب المتكرر على مجلس الإدارة، وهو ما اعترف ألتمان ببعضه واصفًا إياه بالأخطاء.
عواقب الزلزال ومستقبل التكنولوجيا
وأمام هذه التطورات، يطالب ماسك المحكمة بتفكيك الهيكل الربحي للشركة وإقالة ألتمان وبروكمان من مناصبهما، إلى جانب تعويضات فلكية تصل إلى 130 مليار دولار، عما يصفه فريقه بالمكاسب غير المشروعة، كما يطالب بمحاسبة شركة مايكروسوفت الداعم الأكبر للشركة بتهمة المساعدة والتحريض.
وإذا رجحت كفة ماسك في هذه المواجهة، فإن العواقب ستكون زلزالًا يضرب وادي السيليكون بأكمله، حيث سيؤدي ذلك حتمًا إلى عرقلة الطرح العام الأولي المخطط للشركة في أواخر عام 2026، الذي كان يستهدف تقييمًا بتريليون دولار، وسيكون مصير ألتمان الوجه الأبرز لطفرة الذكاء الاصطناعي على المحك.
وحتى إذا خسر ماسك هذه المعركة، فإن القضية نجحت بالفعل في كشف الأسرار الدفينة لغرف اجتماعات وادي السيليكون المغلقة وأظهرت صورة قاتمة لآليات الحوكمة داخل واحدة من أهم شركات التقنية في عصرنا، لتلخص هذه المواجهة قلقًا عامًا يتنامى حول العالم مفاده أن تكنولوجيا خارقة وذات نفوذ هائل يتم بناؤها والتحكم فيها من قبل مجموعة صغيرة من أقطاب التكنولوجيا المتناحرين بينما يضطر بقية العالم ببساطة للتعايش مع العواقب.













