نجح نموذج ذكاء اصطناعي تابع لشركة "OpenAI" في حل مسألة رياضية ظلت دون حل لما يقرب من 80 عامًا، في إنجاز وصفه باحثون بأنه محطة مهمة في تطور قدرات الذكاء الاصطناعي في مجال الرياضيات.
وتُعرف المسألة باسم "مشكلة المسافة الواحدة على المستوى"، وقد طرحها عالم الرياضيات المجري بول إردوش عام 1946، وتتمحور حول سؤال يبدو بسيطًا ظاهريًا: ما أكبر عدد من أزواج النقاط التي يمكن أن تقع على بُعد وحدة واحدة من بعضها البعض داخل مستوى ثنائي الأبعاد؟
وكان إردوش قد افترض أن هذا العدد ينمو بمعدل أسرع قليلًا من عدد النقاط نفسها، إلا أن إثبات ذلك أو الوصول إلى حدود أدق للمسألة ظل تحديًا رياضيًا مفتوحًا لعقود.
شهد عام 1984 التوصل إلى أدق حد علوي للمسألة على يد علماء الرياضيات، وظل هذا الإنجاز المرجع الأبرز في المجال طوال أربعة عقود.
لكن OpenAI أعلنت الأسبوع الماضي أن أحد نماذجها الداخلية تمكن من إيجاد مجموعة من الترتيبات الرياضية التي تجاوزت الحد الذي وضعه إردوش، في خطوة اعتبرتها الشركة إنجازًا مهمًا في مسار توظيف الذكاء الاصطناعي لحل المسائل الرياضية المفتوحة.
واللافت في الأمر أن الشركة أكدت أن النموذج المستخدم لم يُدرَّب خصيصًا على هذه المسألة، بل لم يُدرَّب على الرياضيات بشكل متخصص من الأساس، وإنما اعتمد على قدراته العامة في الاستدلال وحل المشكلات.
وقالت الشركة في بيانها: "يمثل هذا البرهان محطة مهمة لمجتمعي الرياضيات والذكاء الاصطناعي، كما يعد المرة الأولى التي يتم فيها حل مسألة مفتوحة بارزة، تشكل محورًا رئيسيًا في أحد فروع الرياضيات، بصورة ذاتية بواسطة الذكاء الاصطناعي".
وأوضحت OpenAI أن النموذج اعتمد على منهج جديد بالكامل يختلف عن النظريات والأساليب المرتبطة تقليديًا بهذه المسألة.
وأضافت الشركة أن بعض المفاهيم التي استخدمها النموذج كانت معروفة لدى المتخصصين في نظرية الأعداد الجبرية، إلا أن المفاجأة تمثلت في اكتشاف إمكانية توظيفها للإجابة عن أسئلة هندسية من هذا النوع.
كما أشارت إلى أن المحفز النصي (Prompt) الذي قُدم للنموذج ونجح من خلاله في الوصول إلى الحل أصبح متاحًا للاطلاع ضمن الورقة البحثية المرافقة للإنجاز.
وذكر باحثو الشركة أن النموذج استخدم أفكارًا جديدة بالكامل لاستبدال نظرية عمل ارتبطت تقليديًا بمشكلة المسافة الواحدة على المستوى، وهو ما أدى إلى الوصول إلى النتيجة الجديدة.
الذكاء الاصطناعي لا يستبدل علماء الرياضيات
ورغم وصف "OpenAI" للإنجاز بأنه أول حالة يتمكن فيها الذكاء الاصطناعي من حل مسألة مفتوحة بشكل مستقل في أحد المجالات الرياضية، فإن الشركة شددت على أن الهدف من التقنية هو دعم عمل الباحثين لا استبدالهم.
ولهذا السبب استعانت الشركة بعدد من علماء الرياضيات المستقلين لمراجعة النتائج والتحقق منها، كما شارك باحثون بشريون في إعداد ورقة علمية مرافقة تشرح السياق العلمي للبرهان وكيفية الوصول إليه.
وقال توماس بلوم، عالم الرياضيات في جامعة مانشستر والمشرف على موقع مسائل إردوش، إن البرهان الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي كان صحيحًا بالكامل، لكنه شهد تحسينات كبيرة بفضل مساهمات الباحثين في OpenAI وعدد من علماء الرياضيات الذين شاركوا في مراجعته.
وأضاف أن الدور البشري لا يزال أساسيًا في مناقشة البرهان وفهمه وتحسينه واستكشاف نتائجه وآثاره العلمية المستقبلية.
وحظي الإنجاز بإشادة واسعة داخل الأوساط الأكاديمية. وقال تيم غاورز، أستاذ الرياضيات بجامعة كامبريدج، إنه لو كان هذا البحث قد كُتب بواسطة عالم رياضيات بشري وقُدم إلى مجلة Annals of Mathematics، لكان أوصى بقبوله دون أي تردد.
وأضاف أن أي برهان أنتجه الذكاء الاصطناعي في السابق لم يقترب من هذا المستوى.
ورأت OpenAI أن الإنجاز لا يقتصر على حل مسألة رياضية بعينها، بل يمثل دليلًا عمليًا على إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث العلمية المتقدمة وعلى حدود المعرفة البشرية.
ومع ذلك، يبقى مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تكرار مثل هذه الإنجازات في مجالات أخرى محل متابعة من الباحثين.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى واقعة سابقة حدثت في أكتوبر الماضي، عندما أعلن كل من كيفن ويل، المدير في OpenAI، وسيباستيان بوبيك، أحد مسؤولي الشركة، أن GPT-5 تمكن من حل عشر مسائل رياضية مفتوحة سبق أن طرحها إردوش، مع إحراز تقدم في 11 مسألة أخرى.
لكن هذه التصريحات تعرضت لاحقًا لانتقادات من خبراء في الرياضيات، من بينهم توماس بلوم، بعدما تبين أن بعض تلك المسائل كانت قد حُلَّت بالفعل على يد علماء رياضيات في وقت سابق، ما دفع بوبيك إلى التراجع عن التصريح وحذف المنشور الذي نشره بشأن تلك الادعاءات.














