في سياق التحوّل الرقمي المتسارع الذي تشهده المملكة، واستمرار توسّعها في مجالات البنية التحتية التقنية والذكاء الاصطناعي، حققت المملكة إنجازًا جديدًا تمثّل في حصولها على المركز الثاني عالميًا في جاذبية أسواق مراكز البيانات، وهو ما يعكس تنامي قدرتها على استقطاب الاستثمارات وتعزيز موقعها في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ولم يقتصر هذا التطور على الجانب الاقتصادي أو التقني فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل منظومة الأمن السيبراني، في ظل ارتباط متزايد بين مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.
وفي هذا الإطار، أوضح الأستاذ فهد الدريبي، المختص في الأمن السيبراني، أن مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي أصبحت مرتبطة مع بعض بشكل كبير، وفي سباق عالمي على من يمتلك هذه التقنية. والدول التي تسيطر على الذكاء الاصطناعي هي التي سيكون لها المستقبل القادم في التقنية”.
وأضاف أن تصدر المملكة لمؤشرات الجاذبية في هذا القطاع يعكس تحولًا استراتيجيًا في البيئة الرقمية، موضحًا أن “المقصود بالجاذبية هو أن الشركات والدول لديها رغبة في القدوم إلى المملكة أو الاستفادة من الخدمات المقدمة فيها”، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم “سلاحًا جديدًا يمكن أن يكون لصالحنا أو ضدنا”، سواء في تحسين الخدمات اليومية أو في تطوير التطبيقات المستقبلية.
وفي حديثه عن البنية التحتية الرقمية، أشار الدريبي إلى أن توسع المملكة في إنشاء مراكز البيانات يمثل ميزة تفاضلية مهمة، قائلاً: “وجود أكثر من 60 مركز بيانات في المملكة يمنحنا مرونة عالية، ويقلل الاعتمادية على منطقة واحدة، بحيث إذا حدثت أي كوارث طبيعية أو طارئة تكون هناك بدائل جاهزة”، مستشهدًا بتجارب دولية تأثرت فيها الخدمات الرقمية بسبب اعتمادها على مركز بيانات واحد.
كما لفت إلى أن توافر الموارد، مثل الطاقة الكهربائية منخفضة التكلفة والمساحات الواسعة، يشكل عاملًا محوريًا في دعم نمو هذا القطاع، خاصة أن الذكاء الاصطناعي يعد من أكثر التقنيات استهلاكاً للطاقة.
تغير جذري في الجرائم الإلكترونية
انتقل الدريبي للحديث عن الجانب الأمني، موضحًا أن تطور الذكاء الاصطناعي أدى إلى تغيّر جذري في طبيعة الجرائم الإلكترونية وأساليب الاحتيال الرقمي، قائلًا: “للأسف تطور المحتالين باستخدام الذكاء الاصطناعي أسرع بكثير من تطور وسائل الدفاع”.
وأضاف أن هذا التطور أتاح للمهاجمين استخدام تقنيات متقدمة مثل التزييف العميق (Deepfake)، موضحًا: “كنا في السابق نرى الفلاتر في تطبيقات مثل سناب شات وتيك توك، أما اليوم فأصبح بالإمكان إنشاء فيديو مباشر يظهر فيه شخص آخر بصوت مختلف تمامُا، وكأنه حقيقي”.
وأشار إلى أن خطورة هذه التقنية تتضاعف في بيئات العمل، حيث يمكن انتحال شخصيات قيادية داخل الشركات خلال الاجتماعات الافتراضية، قائلًا: “قد يدخل المحتال إلى اجتماع أونلاين بشخصية رئيس الشركة وصوته وصورته، فيتم تصديقه وتنفيذ أوامره، ومنها تحويلات مالية بمبالغ كبيرة”.
وفيما يتعلق بالفئات الأكثر استهدافًا، أوضح الدريبي أن الشركات تعد الهدف الأكبر في الوقت الحالي، نظرًا لاعتمادها على الاجتماعات الرقمية والمعاملات المالية الإلكترونية، مضيفًا أن “معظم حالات الاحتيال التي بلغت ملايين الدولارات كانت تستهدف الشركات عبر انتحال شخصيات قيادية”.
كما أشار إلى وجود حالات استُغلت فيها هذه التقنيات في عمليات التوظيف، من خلال انتحال هويات لأشخاص خلال المقابلات الشخصية، مؤكدًا أن بعض هذه الحالات وصلت إلى اختراقات داخل شركات متخصصة في الأمن السيبراني نفسها.
كيف يتم التحايل بالذكاء الاصطناعي؟
وعن أساليب الاحتيال الموجهة للأفراد، بيّن الدريبي أن المحتالين يعتمدون على تحليل البيانات الرقمية للشخصيات عبر منصات مثل “لينكد إن” ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تصميم رسائل مخصصة ومقنعة، مضيفًا: “يتم استهداف الأفراد غالبًا عبر المغريات، مثل العروض المالية أو السلع الرخيصة أو الإعلانات المزيفة التي تُنسب لمشاهير أو شخصيات دينية”.
وفيما يخص تطور الرسائل الاحتيالية، أوضح أن الذكاء الاصطناعي غيّر قواعد اللعبة بالكامل، قائلًا: “في السابق كنا نكتشف الاحتيال من الأخطاء اللغوية أو الركاكة، أما الآن فالذكاء الاصطناعي يكتب رسائل أكثر إقناعًا من البشر، وبأساليب مختلفة لكل شخص على حدة”.
وأضاف الدريبي أن هذا التطور يجعل من الصعب الاعتماد على المؤشرات التقليدية في كشف الاحتيال، مؤكدًا أن “الوعي الرقمي أصبح العامل الأهم، من خلال التحقق من المرسل وسبب الإرسال، وعدم التفاعل مع الرسائل غير ذات العلاقة المباشرة”.
وفي جانب الحماية المؤسسية، شدد الدريبي على أهمية الالتزام بالإجراءات الداخلية الصارمة داخل الشركات، خاصة فيما يتعلق بالتحويلات المالية وتغيير الحسابات البنكية، قائلًا: “حتى لو صدر الطلب من رئيس الشركة نفسه، يجب الالتزام بالإجراء الرسمي دون استثناء”.
كما حذّر الدريبي من مخاطر ما يعرف بالتهديد الداخلي، موضحًا أن بعض عمليات الاحتيال تعتمد على موظفين داخل المؤسسات يمدون المهاجمين بمعلومات حساسة، مما يسهل تنفيذ الهجمات.
وفي تقييمه لدور الذكاء الاصطناعي، أوضح الدريبي أنه يمثل أداة مزدوجة الاستخدام، قائلًا: “الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه في الهجوم ويمكن استخدامه في الدفاع، لكن التحدي في الهجوم أنه سهل وسريع ولا يكلّف شيئًا للمهاجم، بينما في الدفاع هناك اعتبارات كبيرة تتعلق بالثقة والبيانات”.
وأضاف أن بعض التجارب الحديثة أظهرت مخاطر الاعتماد الكامل على أنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث أدت ثغرات في بعض التطبيقات إلى تسرب بيانات المستخدمين، رغم عدم وجود نية مسبقة من الشركات المطورة. واختتم الدريبي حديثه بالتأكيد على أهمية التوازن في التعامل مع هذه التقنية، قائلًا: “الذكاء الاصطناعي سلاح قوي، والمطلوب أن نستغله لصالحنا قبل أن يُستغل ضدنا”.
الاحتيال بالذكاء الاصطناعي.. قراءة في الأساليب وطرق الحماية – لقاء مع فهد الدريبيhttps://t.co/kOHzzyNHst
— برنامج ياهلا (@YaHalaShow) May 4, 2026
اقرأ أيضًا:
أبرز القطاعات الواعدة في المملكة.. ملامح مرحلة نمو جديدة
لماذا قد تكون العمالة البشرية أكثر توفيراً من الذكاء الاصطناعي؟
عمالقة التقنية يضخون مئات المليارات للهيمنة على الذكاء الاصطناعي













