حذّر الدكتور راندي كولمان، ومؤسس مؤسسة LearningWorks for Kids، من التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في حياة الأطفال منذ أشهرهم الأولى.
الذكاء الاصطناعي في مهد الطفولة
وأوضح كولمان أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تعد تنتظر وصول الطفل إلى مرحلة رياض الأطفال، إذ بدأ بعض الآباء بالفعل في استخدام أجهزة مراقبة مزودة بأنظمة ذكية تتعقب أنماط النوم، وتتوقع مواعيد الاستيقاظ، وتحلل التنفس. كما تعمل بعض التطبيقات على تحليل أنماط بكاء الرضع لتقدير ما إذا كان السبب جوعًا أو تعبًا أو انزعاجًا، وتقدم إرشادات حول توقيت الإطعام أو التهدئة أو النوم.
وأشار إلى جانب آخر يتمثل في تراكم البيانات الرقمية، حيث يلتقط الآباء كميات ضخمة من الصور لأطفالهم تُخزَّن وتُحلل أحيانًا عبر أنظمة ذكاء اصطناعي، ما قد يُشكّل بصمة رقمية للطفل قبل أن يكون واعيًا بوجودها أو قادرًا على التحكم فيها.
كما لفت كولمان إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في زيادة تعرض الرضع للمحتوى الإعلامي، إذ تعتمد منصات مثل YouTube Kids وNetflix Kids على أنظمة توصية ذكية لترتيب مقاطع الفيديو والموسيقى. وبيّن أن هذه المنصات لا تُصمَّم بالضرورة وفق احتياجات النمو الحسي والمعرفي للرضع، بقدر ما تركز على جذب الانتباه وتعزيز التفاعل.
ويشير إلى أن حضور الذكاء الاصطناعي في حياة الأطفال لا يقتصر على التطبيقات والمنصات الرقمية، بل يمتد إلى الألعاب والأجهزة المخصصة للطفولة. وتشمل هذه التقنيات ألعابًا ناطقة، وأجهزة لسرد القصص تتعلم تفضيلات الطفل بمرور الوقت، إضافة إلى مساعدين صوتيين قادرين على الغناء أو إصدار أصوات متنوعة.
وبذلك، لم يعد التساؤل المطروح يتمحور حول وجود الذكاء الاصطناعي في مرحلة الطفولة المبكرة، إذ بات حضوره واقعًا ملموسًا، بل يتركز النقاش حول كيفية توافق هذه التقنيات مع متطلبات النمو المعرفي والحسي للأطفال في سنواتهم الأولى.
الذكاء الاصطناعي والرضع
تشير أبحاث علم النفس خلال العقود الخمسة والعشرين الماضية إلى فهم أعمق لاحتياجات الطفل في العصر الرقمي. ويؤكد مختصون أن أفضل إطار لتقييم استخدام الذكاء الاصطناعي مع الرضع لا يأتي من التقنيات الحديثة نفسها، بل من النظريات الكلاسيكية في علم النمو، وعلى رأسها مراحل النمو المعرفي للعالم Jean Piaget، ومراحل النمو النفسي الاجتماعي للعالم Erik Erikson.
وبحسب هذه النظريات، تمتد مرحلة الطفولة المبكرة في سياق هذا الطرح من الولادة حتى سن عامين تقريبًا، مع الأخذ في الاعتبار الفروق الفردية بين الأطفال.
من الناحية المعرفية، يمر الرضيع بما يُعرف بالمرحلة الحسية الحركية، حيث يتعلم من خلال التجربة المباشرة باستخدام الحواس والحركة. في هذه المرحلة، لا يدرك الطفل الرموز أو التمثيلات المجردة، بل يعتمد على لمس الأشياء الحقيقية، وتحريك جسده، واكتشاف علاقة السبب والنتيجة، وتطوير مفهوم «ثبات الشيء» مثل لعبة الاختباء الشهيرة.
ويتفاعل الرضيع مع الأصوات والوجوه الحقيقية بوصفها خبرات واقعية، دون فهم لفكرة المحاكاة أو «كما لو». لذلك، يُعدّ التعلم عبر الأدوات الملموسة مثل المكعبات والألعاب ذات الملمس المتنوع أكثر ملاءمة لدعم نموه الحسي.
في هذا السياق، يثير استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التفاعلية تساؤلات تربوية، إذ إن الألعاب الناطقة أو الشخصيات الرقمية التي تحاكي التفاعل الاجتماعي قد تحل محل التفاعل الإنساني المباشر. ويرى خبراء أن هذه البدائل، رغم تشابهها الظاهري مع التواصل البشري، تفتقر إلى العمق العاطفي والتجربة الحسية الغنية التي يحتاجها الرضيع في هذه المرحلة الحساسة من النمو.
حدود استخدام الذكاء الاصطناعي
تجمع نظريات النمو على مبدأ أساسي مفاده أن الرضع يحتاجون إلى تجارب حسية مباشرة وملموسة تساعدهم على فهم بيئتهم والتكيف معها. وتُعد هذه الخبرات، القائمة على اللمس والحركة والتفاعل الواقعي، الركيزة الأساسية في مرحلة الرضاعة.
وتشير الأبحاث إلى أن التنظيم العاطفي لدى الطفل يتشكل من خلال علاقة رعاية آمنة ومتجاوبة مع مقدمي الرعاية. ويحذر مختصون من أن إحلال أنظمة الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات محل التفاعل البشري المباشر حتى بصورة غير مقصودة قد يؤثر سلبًا في هذه العمليات النمائية الجوهرية.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إقصاء التكنولوجيا بالكامل، بل إلى ضبط استخدامها خلال هذه المرحلة الحساسة. ويوصي خبراء بأن يكون توظيف الذكاء الاصطناعي محدودًا وغير مباشر، وموجهًا بالأساس لدعم البالغين، مثل أدوات تدريب الوالدين، أو أنظمة المراقبة والسلامة، أو التطبيقات التي تقدم إرشادات لمقدمي الرعاية بشأن أفضل الممارسات.
في المقابل، يُنصح بتجنب بعض الاستخدامات خلال فترة الرضاعة، من بينها الألعاب التي تحاكي التفاعل الاجتماعي، ووكلاء المحادثة الشبيهون بالرفقة، والتقنيات التي تحل محل الرعاية وجهاً لوجه، أو تلك المصممة لتهدئة الطفل بدلًا من التفاعل الإنساني، إضافة إلى الأنظمة التكيفية المفرطة في التحفيز.
اقرأ أيضًأ :
عادات بسيطة قد تخفض خطر ألزهايمر بنسبة 38%
البشر اعتادوا النوم فترتين ليلًا.. لماذا اختفت هذه العادة؟
الأسباب الخفية وراء الشعور بالوحدة














