النوم المتواصل لثماني ساعات ليس حتمية بيولوجية كما نعتقد اليوم، بل هو عادة حديثة فرضتها التحولات الصناعية والتقنية على البشرية.
وتشير السجلات التاريخية والدراسات العلمية أن أجدادنا، عبر معظم تاريخ البشر، كانوا يمارسون نمط "النوم على فترتين"، وهو ما يفسر لماذا يشعر الكثيرون منا بالقلق عند الاستيقاظ في منتصف الليل، متسائلين عما إذا كان هناك خلل ما، بينما هو في الواقع استجابة فطرية لتاريخ بشري طويل.
تاريخ نظام النوم على فترتين المفقود
كان المعتاد في العصور القديمة، من أوروبا إلى أفريقيا وآسيا، أن يذهب الناس إلى فراشهم بعد وقت قصير من غياب الشمس، فيما يُعرف بـ "النوم الأول".
وبعد قضاء عدة ساعات في الراحة، يستيقظ الجميع في منتصف الليل لمدة ساعة أو أكثر، وهي فترة فاصلة لم تكن وقتًا ضائعًا، بل كانت تُستغل في أنشطة هادئة مثل الصلاة، أو القراءة، أو حتى تبادل الأحاديث الودية مع الجيران والعائلة.
وبعد هذا الفاصل من اليقظة الهادئة، يعود الجميع إلى "النوم الثاني" الذي يستمر حتى فجر اليوم التالي.
وأكدت الأدبيات الكلاسيكية، بدءًا من أشعار هوميروس اليوناني وصولًا إلى فيرجيل الروماني، وجود هذه "الساعة الفاصلة" بين فترتي الراحة، مما يدل على أن هذا النمط كان عالميًا.
ولم يتغير هذا الإيقاع الفطري إلا مع دخول الثورة الصناعية وانتشار الإضاءة الاصطناعية، حيث بدأت مصابيح الزيت ثم الغاز، وأخيرًا الكهرباء، في تحويل الليل إلى وقت "صالح للاستيقاظ" والعمل، مما دفع الناس لتأخير موعد نومهم ودمج الفترتين في كتلة واحدة متصلة لتناسب جداول المصانع والوظائف الحديثة.
تأثير الضوء على جودة النوم وإدراك الوقت
يؤدي التعرض للضوء الاصطناعي في المساء إلى قمع هرمون الميلاتونين وتأخير إنتاجه، مما يربك الساعة البيولوجية للإنسان ويجعل الجسم يميل قسرًا نحو نظام النوم المتصل.
وفي تجارب حديثة تحاكي ليالي الشتاء الطويلة دون ساعات أو إضاءة صناعية، عاد المتطوعون تلقائيًا إلى نمط الفترتين، كما أظهرت دراسة أجريت عام 2017 على مجتمع زراعي في مدغشقر لا يستخدم الكهرباء، أنهم ما زالوا يتبعون إيقاع "النوم المزدوج" حتى يومنا هذا.
وتشير الأبحاث في جامعة "كيل" البريطانية إلى وجود رابط قوي بين الإضاءة والحالة المزاجية وإدراكنا للوقت؛ فالوقت يبدو أطول وأبطأ في ظروف الإضاءة الخافتة أو عند الشعور بالإحباط.
ويفسر ذلك لماذا تمر الدقائق ثقيلة عندما نستيقظ في الثالثة صباحًا؛ فالعقل يركز على قياس الوقت بدلًا من الاسترخاء، مما يحول يقظة عادية وفطرية إلى تجربة مؤرقة نطلق عليها "الأرق".
ويقترح خبراء النوم والمختصون في العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I) تغيير نظرتنا لهذه الاستيقاظات الليلية، فبدلاً من مقاومة اليقظة ومراقبة عقارب الساعة بقلق، يُنصح بمغادرة الفراش بعد 20 دقيقة من اليقظة والقيام بنشاط هادئ في ضوء خافت، ثم العودة عند الشعور بالنعاس مجددًا.













