كشفت دراسة علمية حديثة أن النوم قد يلعب دوراً في "تشفير" نوبات الصرع داخل الدماغ، من خلال استخدام الآليات العصبية نفسها المسؤولة عن ترسيخ الذكريات، وهو ما قد يفسر صعوبة علاج بعض النوبات أو الحد منها.
النوم وتشفير نوبات الصرع
ووفقًا لموقع " لايف ساينس"، أشارت الدراسة إلى أن هذه العملية قد تجعل الدماغ يتعامل مع النوبة كما لو كانت ذكرى يتم تثبيتها، ما يؤدي إلى تعزيز الروابط العصبية المرتبطة بها. وفي المقابل، يقترح الباحثون وسيلة محتملة للتصدي لهذا التأثير، تتمثل في استخدام التحفيز الكهربائي لمنع الدماغ من "حفظ" النوبة.
وقال عالم الأعصاب فاكلاف كريمن من مايو كلينك، وأحد المشاركين في إعداد الدراسة، إن النتائج قد تفتح آفاقاً علاجية جديدة، موضحاً أن التحفيز الكهربائي يمكن تصميمه بشكل مخصص ليتناسب مع الخصائص الفريدة لنوبات الصرع لدى كل مريض.
ويعاني كثير من المرضى صعوبة في تخزين الذكريات بعد نوبات الصرع. وتشير دراسات أُجريت على الفئران إلى أن السبب قد يعود إلى أن نظام الذاكرة في الدماغ يعزز الروابط العصبية التي تُحفّز النوبات بدلاً من دعم تثبيت الذكريات.
ومع ذلك، لا تزال العلاقة بين الصرع والذاكرة والنوم لدى البشر غير مفهومة بشكل كامل، إذ تعتمد معظم الدراسات على مراقبة نشاط الدماغ لفترات قصيرة تمتد لبضعة أيام فقط، وغالباً ما تُجرى داخل المستشفيات.
وفي هذا السياق، أوضحت عالمة الأعصاب إيرين كونراد من جامعة بنسلفانيا، أن الإقامة في المستشفى قد تؤثر على أنماط النوم والنوبات لدى المرضى، نتيجة تغييرات الأدوية والتوتر والضوضاء واضطراب الروتين اليومي، ما قد يؤثر في نتائج الأبحاث المتعلقة بالنوم الطبيعي.
تأثير نوبات الصرع على النوم والذاكرة
اعتمدت الدراسة على زراعة أقطاب كهربائية داخل أجساد المشاركين لعدة أشهر أو سنوات، مما أتاح للباحثين جمع بيانات النوم على المدى الطويل في منازل المشاركين دون التأثير على نومهم الطبيعي. وقالت إيرين كونراد إن هذه الطريقة توفر "صورة أكثر واقعية عن كيفية تغير النوم بعد النوبات في الظروف اليومية".
حلل الفريق مجموعتين من المصابين بالصرع المقاوم للأدوية، إحداهما من جامعة ملبورن بأستراليا (2010–2011) والأخرى من عيادة مايو في مينيسوتا (2019–2023). زُرعت في مجموعة أجهزة تحفيز عميق للدماغ لرصد النشاط الصرعي والحد منه، فيما سجّلت المجموعة الأخرى إشارات الدماغ فقط دون محاولة إيقاف النوبات. وأوضح فاكلاف كريمن أن الدراسة اقتصرت على 11 مشاركًا فقط، لذا قد لا تكون النتائج قابلة للتعميم على جميع مرضى الصرع، لكنها تقدم دلائل حول تأثير تغير أنماط الدماغ أثناء النوم على العلاقة بين الصرع والذاكرة.
وأظهرت النتائج أن المشاركين ناموا نحو 24 دقيقة أطول في الليالي التي تلت نوبات الصرع، إلا أن جميع مراحل النوم لم تتأثر بشكل متساوٍ. كما لاحظ الباحثين انخفاض في نوم حركة العين السريعة (REM) بمقدار حوالي 12 دقيقة، وهو نوم مهم لمعالجة المشاعر والأحلام. وعلق لوران شيباني من جامعة جنيف أن "12 دقيقة قد تبدو قصيرة، لكنها مهمة بالنظر إلى أن المدة الإجمالية لنوم حركة العين السريعة عادة حوالي ساعة و40 دقيقة، ما يجعل الانخفاض ذا دلالة".
قالت إيرين كونراد إن التعويض عن الدقائق المفقودة من نوم حركة العين السريعة (REM) له أهمية أيضًا، مشيرة إلى أن الفريق لاحظ زيادة في مدة وكثافة أعمق مراحل النوم، والمعروفة باسم مرحلة الموجات البطيئة، والتي تُعد أساسية لتخزين الذكريات. وطرحت الدراسة فرضية محتملة مفادها أن الدماغ قد يستخدم مسارات تكوين الذاكرة "ليتذكر" كيفية حدوث النوبات في المستقبل، لكنها أكدت أن هذه النتائج وحدها لا تكفي لإثبات هذه الفكرة.
التنبؤ بالنوبات عبر أنماط النوم
يركز العمل المستقبلي للفريق على تحديد ما إذا كانت زيادة مرحلة تكوين الذاكرة أثناء النوم تساهم في تعزيز نوبات الصرع عبر "حفظ" مساراتها في الدماغ. وقالت إيرين كونراد إن استخدام أجهزة دماغية قادرة على تعديل التحفيز استنادًا إلى نوبات الصرع وأنماط النوم يمثل احتمالًا واعدًا.
تعمل هذه الأجهزة عبر أقطاب كهربائية تسجل نشاط الدماغ، وترسل نبضة كهربائية لإيقاف النوبة عند اكتشافها. كما يعتمد النظام على تغذية راجعة مغلقة لتحسين الكشف بمرور الوقت، حيث يتعلم التعرف على أنماط نوبات الصرع لدى كل مريض على حدة.
وأضافت كونراد: "يمكن لهذا النهج اختبار الفكرة الرئيسية للدراسة، من خلال معرفة ما إذا كان تعديل نشاط الدماغ بعد النوبة يقلل من احتمالية حدوث نوبات مستقبلية. وإذا ثبتت صحة النظرية، قد تصبح هذه الأنظمة التكيفية ذات الحلقة المغلقة وسيلة جديدة لتخصيص العلاج".
من جانبه، قال فاكلاف كريمن إن النتائج تشير إلى أن التحفيز الكهربائي الذي يقطع تكوين ذاكرة النوبات قد يشكل إضافة علاجية مستقبلية إلى جانب الأدوية، خصوصًا لمرضى الصرع المقاوم للعلاج التقليدي، مضيفًا: "نحن نبذل قصارى جهدنا لإيجاد حلول للمرضى الذين لا تستجيب حالتهم للعلاجات الدوائية التقليدية".
اقرأ أيضًا :
هل لديك مراهق سريع الانفعال؟ هذه الفيتامينات قد تساعدك
لقاح عالمي جديد يحمي من الفيروسات عبر رذاذ أنفي
هل يسبب استخدام بودرة التلك الإصابة بالسرطان؟














