مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، يخوض اللاعبون مبارياتهم على ملاعب يغلب عليها العشب الطبيعي، بعدما فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" منذ سنوات عدم استخدام العشب الصناعي في مباريات البطولة.
وجاء هذا القرار في الأساس بسبب ارتفاع خطر الإصابات على هذه الأرضيات مقارنة بالعشب الطبيعي، إلا أن الجدل حول العشب الصناعي لا يقتصر على الجانب الرياضي فقط، بل يمتد إلى مخاوف صحية وبيئية تتعلق بالمواد المستخدمة في تصنيعه.
وأعادت دراسة أمريكية استمرت عشرة أعوام في ولاية كاليفورنيا هذا الملف إلى الواجهة، بعدما رصدت نحو 400 مادة كيميائية داخل مكونات العشب الصناعي، من بينها مواد ارتبطت في دراسات سابقة بالسرطان واضطرابات الهرمونات وأمراض أخرى.
لماذا يثير العشب الصناعي القلق؟
ظهر العشب الصناعي لأول مرة خلال ستينيات القرن الماضي باعتباره بديلًا حديثًا للعشب الطبيعي، لكنه تطور على عدة مراحل حتى وصلت الملاعب الحديثة إلى الجيل الثالث من هذه الأرضيات.
وتعتمد معظم الملاعب الحديثة على حبيبات مطاطية دقيقة مصنوعة من إطارات السيارات المستعملة، تُستخدم كحشو بين ألياف العشب لتوفير مزيد من المرونة وامتصاص الصدمات.
ووفقًا للتقرير، فإن أكثر من 95% من نحو 18 إلى 19 ألف ملعب بالعشب الصناعي في الولايات المتحدة تستخدم هذا النوع من الحشوات المطاطية المستخرجة من الإطارات المعاد تدويرها.
كما يُعرف العشب الصناعي بقدرته على الاحتفاظ بدرجات حرارة مرتفعة للغاية، إذ قد تصل حرارة سطحه إلى نحو 93 درجة مئوية تحت أشعة الشمس المباشرة.
400 مادة كيميائية تحت المجهر
أشارت الدراسة إلى وجود مئات المواد الكيميائية داخل الحبيبات المطاطية المستخدمة في العشب الصناعي، من بينها الرصاص والكادميوم والمنغنيز والزنك.
وكان الزنك من أكثر المواد التي ظهرت بمستويات لافتة خلال الدراسة، ورغم أهميته للجسم، فإن التعرض المرتفع له قد يرتبط بمشكلات صحية مثل فقر الدم وأضرار البنكرياس وتراجع الخصوبة.
كما تناول الباحثون مواد أخرى مثل البنزين المرتبط ببعض أنواع سرطان الدم، والتولوين الذي قد يؤثر في الجهاز العصبي والكبد والكلى، إضافة إلى مركبات هيدروكربونية ارتبطت في دراسات على الحيوانات بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.
سلط التقرير الضوء أيضًا على حادثة أثارت اهتمام الباحثين خلال العام الماضي، بعدما جرى رصد مادة 1,3-DMBA المحظورة من قبل الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات في عينات لاعبات كرة قدم محترفات في النرويج.
وأظهرت التحقيقات أن مصدر المادة كان أرضية العشب الصناعي نفسها، بعدما نتجت عن تحلل بعض المواد الكيميائية المستخدمة في الإطارات المطاطية.
كما تناولت الدراسة قضية البلاستيك الدقيق، إذ وصف الاتحاد الأوروبي الحبيبات المستخدمة في العشب الصناعي بأنها أحد أكبر مصادر البلاستيك الدقيق المضاف عمدًا إلى البيئة، وهو ما دفعه إلى حظر بيع المنتجات التي تحتوي على هذه المواد بدءًا من عام 2031.
سعى الباحثون إلى تقدير حجم تعرض اللاعبين والحكام والجماهير لهذه المواد الكيميائية عبر ملامسة أرضية الملعب أو استنشاق الجزيئات المتطايرة أو ابتلاع كميات صغيرة من الحبيبات المطاطية عن طريق الخطأ.
واعتمدت الدراسة على مراقبة المستخدمين وجمع عينات من العشب الصناعي وتحليلها في المختبر باستخدام سوائل تحاكي العرق واللعاب وسوائل الجهاز الهضمي، بهدف تقدير مستويات التعرض المحتملة.
وأظهرت النتائج عدم وجود مخاطر صحية حادة أو فورية، كما اعتبر الباحثون أن احتمالات حدوث آثار صحية طويلة الأمد، مثل السرطان أو التأثيرات الإنجابية، كانت "ضئيلة للغاية" وفق النماذج المستخدمة في الدراسة.
الجدل لم يُحسم بعد
ورغم هذه النتائج، يرى عدد من الباحثين والخبراء أن الملف لا يزال مفتوحًا، معتبرين أن بعض التأثيرات البيئية والصحية طويلة المدى تحتاج إلى دراسات إضافية، خصوصًا فيما يتعلق بتسرب المواد الكيميائية إلى المياه الجوفية وتأثيراتها على البيئة والكائنات الحية.
كما يشير مختصون إلى أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تحديد ما إذا كانت مستويات الخطر الحالية مقبولة، بل يشمل أيضًا البحث عن أسطح رياضية أكثر أمانًا وصحة، خاصة للأطفال والرياضيين الذين يستخدمون هذه الملاعب بصورة متكررة.
وفي ظل استمرار هذا الجدل، تتجه بعض الجهات إلى استخدام الملاعب الهجينة التي تجمع بين العشب الطبيعي ومواد داعمة محدودة، وهي التقنية التي استخدمت في عدد من ملاعب كأس العالم 2026 لتوفير أرضيات أقرب إلى العشب الطبيعي مع الحفاظ على متانتها.













