لطالما ارتبطت جماهير كرة القدم بمصطلح "اللاعب رقم 12"، في إشارة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه من المدرجات في دعم فريقها والتأثير على أجواء المباراة، لكن السؤال الذي يشغل الباحثين في علم النفس الرياضي هو: هل يقتصر تأثير الجماهير على رفع المعنويات، أم أنه ينعكس فعلًا على أداء اللاعبين والنتيجة النهائية؟
وترى الدكتورة جيليان كوك، المحاضرة الأولى في علم نفس الرياضة والأداء بجامعة ليفربول جون مورز، أن تأثير الجماهير حقيقي ويمكن ملاحظته بوضوح داخل الملعب، موضحةً أن ما يُعرف بـ"العدوى العاطفية" يلعب دورًا هامًا في هذا السياق، إذ تنتقل مشاعر الحماس والطاقة من المدرجات إلى اللاعبين، ما يدفعهم غالبًا إلى بذل مجهود أكبر وتحسين أدائهم.
لكن هذا التأثير لا يكون إيجابيًا دائمًا، فبعض اللاعبين قد يشعرون بضغط إضافي أمام جماهيرهم بسبب الخوف من خذلانهم، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الأداء بدلاً من تحسنه، ووفقًا لكوك، فإن الأمر يرتبط بدرجة كبيرة بثقة اللاعب بنفسه وقدرته على التعامل مع الضغوط، بحسب موقع "The Naked Scientists" المختص في تبسيط العلوم.
فعندما يشعر اللاعب بأنه يمتلك الأدوات اللازمة لمواجهة التحدي، يتحول دعم الجماهير إلى عنصر قوة، أما إذا سيطرت عليه الشكوك، فقد يقع فيما يعرف رياضيًا بـ"الاختناق"، حيث يبدأ بالتفكير في تجنب الخطأ أكثر من التفكير في تحقيق النجاح.
الهجوم الجماهيري.. وقود نفسي للاعبين
وتشير كوك إلى أن الجماهير المعادية ليست بالضرورة عاملًا سلبيًا، ففي كثير من الأحيان يتحول الاستهجان أو الهجوم الجماهيري إلى دافع إضافي لبعض اللاعبين الذين يسعون إلى إثبات خطأ منتقديهم، مضيفةً أن الشعور بالظلم أو الرغبة في الرد على المشككين يعد من أقوى المحفزات النفسية لدى الرياضيين.
وترى الباحثة أن هناك مستوى مثاليًا من التحفيز الجماهيري، فالدعم المعتدل قد يساعد اللاعب على تقديم أفضل ما لديه، بينما قد يؤدي الحماس المفرط أو الضغوط الزائدة إلى نتائج عكسية، مثل التسرع في اتخاذ القرارات أو ارتكاب أخطاء مكلفة داخل الملعب.
واستشهدت كوك بفترة جائحة كوفيد-19 باعتبارها فرصة نادرة لدراسة تأثير الجماهير بشكل مباشر، بعدما أقيمت مباريات عديدة خلف أبواب مغلقة. وتقول إن الكثير من الدراسات أظهرت تراجع أفضلية اللعب على الأرض خلال تلك الفترة، بعدما اختفى أحد أهم مصادر الحافز للاعبين.
ولم يقتصر التأثير على اللاعبين فقط، بل امتد إلى الحكام أيضًا، فبحسب كوك، تشير أبحاث عديدة إلى أن الحكام يكونون أكثر ميلًا لاتخاذ قرارات ضد الفريق الضيف عندما تكون الجماهير حاضرة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن ردود فعل الجماهير قد تتحول إلى مؤشر إضافي يستخدمه الحكم في أثناء تقييم بعض الحالات التحكيمية، فضلًا عن الضغوط النفسية التي قد يفرضها وجود آلاف المشجعين في المدرجات.
كيف تؤثر الألوان في نفسية اللاعب؟
كما لفتت كوك إلى أن تأثير الجماهير لا يعتمد على الأصوات والهتافات وحدها، بل يمتد إلى الجانب البصري أيضًا، فالألوان التي تملأ المدرجات يمكن أن تؤثر في الحالة النفسية للاعبين والمنافسين على حد سواء، وتشير إلى دراسة أجريت على منافسات الملاكمة في أولمبياد 2004، أظهرت أن الرياضيين الذين ارتدوا اللون الأحمر حققوا معدلات فوز أعلى من أولئك الذين ارتدوا اللون الأزرق، رغم أن توزيع الألوان تم بشكل عشوائي.
وتوضح أن اللون الأحمر يرتبط في أذهان كثيرين بالقوة والهيمنة، بينما قد يراه الخصم كإشارة تهديد، وينطبق الأمر نفسه على الجماهير التي ترتدي ألوانًا موحدة بأعداد كبيرة، وتضرب مثالًا بالمنتخب الهولندي وجماهيره البرتقالية الشهيرة، حيث يمكن لمشهد المدرجات المغمورة بلون واحد أن يلفت الانتباه ويؤثر نفسياً على اللاعبين داخل الملعب.
وتختتم كوك أن الجماهير تظل أحد العناصر الأكثر تأثيرًا في كرة القدم، ليس فقط بسبب الضجيج الذي تصنعه، بل لما تتركه من أثر نفسي على اللاعبين والحكام وحتى المنافسين، وهو تأثير قد يصنع الفارق أحيانًا بين الفوز والخسارة.














