استندت شركة فولكس فاجن الألمانية على عقود من الهيمنة المطلقة على سوق السيارات التقليدية في الصين، لتنطلق في عام 2019 نحو أفق جديد كليًا يستهدف امتلاك حصة من المجال الجوي، كان الرهان قائمًا على فكرة طموحة للغاية تتلخص في بناء مركبة طائرة فاخرة تعمل بالبطارية، مُصممة خصيصًا للنخب والأثرياء للتنقل بين المدن الكبرى مثل بكين وتيانجين.
هدف هذا المشروع الجريء إلى تجاوز الحدود الهندسية التقليدية وتقديم طائرة مسيّرة فائقة الهدوء تتسع لـ4 ركاب مع كامل أمتعتهم، ولتحقيق هذه القفزة، قررت المجموعة العريقة الاعتماد على الكفاءات والتصاميم الصينية الشابة لتسريع وتيرة العمل وتفوقها على المنافسين، غير أن هذه الرحلة الطموحة اصطدمت سريعًا بواقع معقد انتهى بإلغاء المشروع تمامًا وتكبّد الشركة خسائر استراتيجية وقانونية جسيمة.
اصطدام فولكس فاجن بالشركات الصينية
واستهدفت فولكس فاجن في بادئ الأمر مواكبة مفهوم "اقتصاد الطيران منخفض الارتفاع"، وهو القطاع الذي منحته الحكومة الصينية أولوية استراتيجية قصوى، ليشمل خدمات الأنابيب الجوية، والسيارات الطائرة، والدرونز على ارتفاعات تقل عن ألف متر، إلا أن الثقافة المؤسسية للعملاق الألماني، القائمة على التروي والدراسة التأنيّة والالتزام الصارم بالمعايير، لم تستطع مجاراة السرعة الفائقة التي تحركت بها الشركات الصينية الناشئة وسلاسل التوريد المحلية.
وبينما كانت الشركات المحتلة للمركز الأول والمستثمرون المحليون يتوسّعون بخطى متسارعة بدعم حكومي مباشر، كانت فولكس فاجن تكافح للوصول إلى تصميم مستقر ونموذج تجاري قابل للتطبيق، هذا التباين الحاد في السرعة كشف عن فجوة هيكلية عميقة بين الشركات الغربية التقليدية والبيئة الاستثمارية الصينية الفائقة المرونة.
ولم تكن عقبة السرعة هي العائق الوحيد، بل واجهت المجموعة صعوبات بالغة في اختيار الشريك المحلي المناسب الذي يجمع بين الكفاءة التقنية وعدم التعرض للمخاطر السياسية، وبعد تجنب التعاون مع شركات ترتبط بعقود دفاعية قد تثير شبهات العقوبات الدولية، اتجهت فولكس فاجن نحو عقد محدود مع شركة "بانتو للطيران" الناشئة لإجراء دراسات الجدوى.
ورغم أن تصميم بانتو بدا مستقبليًا ومبهرًا شبيهًا بالمركبات الفضائية، فإن تقييمات فولكس فاجن الهندسية اللاحقة كشفت عن مخاوف لا يمكن السيطرة عليها يتعلق أغلبها بالوزن، والديناميكا الهوائية، والأمان حول المروحيات الدوارة، أدى هذا التعثر الفني إلى تقييم التعاون كخطوة خاطئة وإنهاء العقد، وهو ما أشعل فتيل أزمة قانونية حادة بين الطرفين حول الحقوق والالتزامات الفكرية.
انقلاب موازين الملكية الفكرية بالصين
تحولت الخلافات الفنية سريعًا إلى نزاع قضائي معقد كشف عن تغير الموازين التاريخية للتنافس التجاري في الصين، فبعد أن كانت الشركات الغربية تشتكي تاريخيًا من تسريب التكنولوجيا لصالح الشركات المحلية، وجدت فولكس فاجن نفسها متهمة من قبل شريكها الصيني السابق بانتو بانتهاك أسرار تجارية وتسريب تصاميمها الفنية لشركات طيران حكومية.
وامتدت هذه المواجهة لتصل إلى ساحات التحكيم والمحاكم المدنية بل وحتى الشكاوى الجنائية التي طالت المديرة الصينية للمشروع، تشو جين، والتي روجت لها فولكس فاجن سابقًا كرمز للابتكار، وتحول هذا النزاع إلى نموذج يبرز المخاطر القانونية المتزايدة التي تكتنف استراتيجيات التوطين عندما تصر الشركات الصينية على حماية ابتكاراتها المستقلة بكل قوة أمام المحاكم والمؤسسات المحلية.
وقالت تشو لوكالة رويترز: "لا أستطيع حقًا استيعاب سبب تركي وحدي أواجه قضية جنائية زُجّ بي فيها دون وجه حق، لمجرد قيامي بواجباتي الوظيفية، لقد ناشدت الشركة مرارًا وتكرارًا التدخل وحل هذا النزاع التجاري بشكل كامل".
محاولات فولكس فاجن رغم التعثر
رغم التعثر الأول، حاولت فولكس فاجن تدارك الأمر عبر عقد شراكة جديدة مع شركة "هونان سونورد للتكنولوجيا" لإنتاج نماذج أولية جديدة أطلق عليها اسم "النمر الطائر" و"سكاي جاردن"، حظيت هذه النماذج باهتمام إعلامي وسياسي واسع، لدرجة تفقد كبار المسؤولين التنفيذيين وزيارة رئيس الوزراء الصيني لأحد النماذج الأنيقة.
لكن هذا التحرك الظاهري لم يستطع إخفاء المعضلة الاقتصادية الحقيقية، إذ تطلبت هذه المشاريع سنوات طويلة جدًا لتحقيق الربحية، فضلًا عن المنافسة الشرسة من شركات سيارات صينية صاعدة مثل "إكس بينغ" و"جيلي" التي أطلقت بالفعل نماذج تجارية متقدمة.
إلغاء مشروع السيارة الطائرة لفلوكس فاجن
وأمام هذه الضغوط، وبحلول منتصف عام 2024، اتخذت الإدارة العليا في الصين قرارًا حاسمًا بإلغاء مشروع السيارة الطائرة نهائيًا للتركيز على إنقاذ المبيعات المتراجعة للسيارات التقليدية والكهربائية.
ويجسد إلغاء هذا المشروع تحولًا جوهريًا في مسار فولكس فاجن داخل السوق الصيني، فالمجموعة التي تراجعت مبيعاتها بشكل ملحوظ لتهبط إلى المركز الثالث خلف الماركات المحلية الصينية، أدركت أن الدخول في القطاعات المستقبليّة المعقدة دون أسبقية تكنولوجية حقيقية يمثل مخاطرة غير محسوبة.
وتسبب إلغاء المشروع في خروج فولكس فاجن من سباق "اقتصاد الارتفاعات المنخفضة"، مخلفة وراءها نزاعات قانونية معلقة ومصير مجهول لبعض قياداتها المحلية، وتظل تجربة المجموعة الألمانية في بكين بمثابة درس قاسي لكل الشركات الأجنبية العملاقة، يثبت أن الحجم والتاريخ العريق لم يعودا كافيين لضمان النجاح في بيئة صينية شديدة الانتقائية والسرعة، تجيد الدفاع عن تقنياتها وتلتهم المنافسين البطائين بلا رحمة.
قال متحدث باسم شركة فولكس فاجن إن الشركة لن تُدلي بتعليق علني حول تطويرها للسيارة الطائرة أو القضية المرفوعة ضد موظفها، تشو، مضيفًا: "مع ذلك، نحن مقتنعون بأن الادعاءات الموجهة ضدنا لا أساس لها من الصحة على الإطلاق".












