بحثًا عن إجابات قاطعة حول كيف ترسم انقساماتنا الأولى مسار حياتنا، يقف العلماء أمام نهايات الأشرطة البلاستيكية أو المعدنية التي تحمي أربطة الأحذية من التآكل والتفكك ليستلهموا منها صورة مصغرة لما يحدث داخل أجسادنا، حيث تمتلك الكروموسومات ميزة وقائية مشابهة تمامًا.
تتوج أطراف هذه الكروموسومات هياكل دقيقة تُعرف باسم التيلوميرات، وهي تتكون من تسلسلات متكررة من الحمض النووي وبروتينات واقية تعمل معًا على حراسة المادة الوراثية المهمة، ومنعها من التلف أو الالتصاق بالكروموسومات المجاورة. ومع كل انقسام خلوي، تتدهور هذه التيلوميرات تدريجيًا لتصبح قبعاتها أقصر قليلًا بمرور الوقت، وحينما تتقلص هذه النهايات متجاوزة نقطة حرجة معينة، تترجم الخلية ذلك على أنه تلف صريح في الحمض النووي وتتوقف عن الانقسام نهائيًا.
مفارقة الشيخوخة والسرطان
يرتبط هذا التوقف الدائم عن النمو الخلوي المعروف بالشيخوخة الخلوية بالالتهاب المزمن، كما يلعب دورًا رئيسيًا في العديد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر. ونتيجة لذلك، تمت دراسة طول التيلومير لعقود طويلة كعلامة بيولوجية محتملة للشيخوخة، إذ يختلف هذا الطول بشكل كبير جدًا بين الأنواع وحتى بين أفراد النوع الواحد.
وتشير الملاحظات العلمية إلى أن الثدييات التي تبدأ حياتها بتيلوميرات أقصر تواجه عموما خطرًا أكبر للإصابة بأمراض الشيخوخة والموت المبكر، رغم أن العلاقة بين طول التيلومير وعمر الكائن معقدة وتتأثر بعوامل متعددة ومختلفة.
وهنا تظهر المفارقة الجوهرية عندما ننظر إلى الجانب الآخر من المعادلة البيولوجية، وتقول ميا ليفين الأستاذة المشاركة في علم الأحياء بكلية الآداب والعلوم في جامعة بنسلفانيا والتي شاركت في قيادة البحث حول توريث أطوال التيلوميرات «على الجانب الآخر إذا كانت التيلوميرات طويلة جدا فقد يعني ذلك مشكلة أيضا لأن الخلايا السرطانية تتطلب تيلوميرات طويلة لتصبح أطول عمرا وخالدة».
تجارب حاسمة وتأثير أصل الوالدين
وقد قاد هذا التوازن الدقيق ليفين ومايكل لامبسون، أستاذ علم الأحياء في الكلية ذاتها إلى محاولة فهم الآلية التي ينتقل بها طول التيلومير من الآباء إلى الأبناء، حيث تساءل الباحثان عما إذا كان هذا الطول يتصرف كسمة متعددة الجينات تتأثر بجينات عديدة مثل لون العين أو الطول، أو ما إذا كانت التيلوميرات نفسها تورث مباشرة عبر خلايا البويضة والحيوانات المنوية.
وعن هذا التساؤل يقول لامبسون «أردنا أن نسأل كيف تورث التيلوميرات حقا هل هو مجرد تسلسل الحمض النووي للتيلومير الذي ترثه من والديك أم أنه يتحدد بواسطة الجينات التي تنظم التيلوميرات وما وجدناه لا يتناسب تماما مع أي من الاحتمالين». وللإجابة عن ذلك، لجأ الفريق إلى استخدام نموذج حيواني لاختبار هذه الأفكار مباشرة، ونشروا نتائج تجاربهم في دورية علم الأحياء الحالي في التاسع عشر من سبتمبر من العام 2025 في ورقة بحثية شارك فيها هيوك جون جيون وميا ليفين ومايكل لامبسون.
وخلال هذه التجارب، اكتشف الباحثون دليلا قاطعا على تأثير أصل الوالدين، فعندما ساهمت الأمهات بتيلوميرات قصيرة والآباء بتيلوميرات طويلة قامت الأجنة بإطالة تيلوميراتها، وعندما انعكس الموقف بتقديم تيلوميرات طويلة من الأم وقصيرة من الأب أصبحت تيلوميرات الأجنة أقصر بشكل ملحوظ.
الخلايا الأولى وآلية الإطالة البديلة
وتوضح ليفين ذلك قائلة «هذا التأثير لأصل الوالدين يتوافق مع الأنماط التي رأيناها في الدراسات البشرية على سبيل المثال يميل أطفال الآباء الأكبر سنًا إلى امتلاك تيلوميرات أطول من أطفال الآباء الأصغر سنا لكن فصل أسباب حدوث ذلك أمر صعب لأن الدراسات البشرية تتداخل معها العديد من العوامل مثل النظام الغذائي والتدخين والإجهاد ونمط الحياة ولهذا السبب لجأنا إلى نموذج حيواني خاضع للرقابة لاختبار هذه الأفكار مباشرة».
وخلال تلك التجارب، عمل الفريق مع فئران تمتلك طبيعيا تيلوميرات طويلة أو قصيرة وأجروا تزاوجًا متبادلا مع تبديل الوالد الذي يساهم بكل نوع من التيلوميرات. ولأن النسل الناتج كان متطابقا جينيا في كلا السيناريوهين، أمكن تتبع أي اختلافات في طول التيلومير إلى تأثيرات أصل الوالدين عوضا عن الاختلافات في تسلسل الحمض النووي، وتضيف ليفين في هذا السياق «التزاوج المتبادل هو ما يتيح لنا فك تشابك العوامل المربكة المعتادة».
ومن المعروف أن الجنين يعتمد في المرحلة المبكرة جدا من التطور وقبل أن يبدأ في استخدام الجينوم الخاص به على الجزيئات الموجودة بالفعل في البويضة والحيوان المنوي، وقد لاحظ الباحثون خلال فترة وجيزة بين الانقسامين الخلويين الأول والثاني أن التيلوميرات إما تطول أو تقصر، وهذا التحول المبكر حدد في النهاية طول التيلومير الذي تمت ملاحظته لاحقا في مراحل التطور اللاحقة.
تطلعات مستقبلية لفك شفرة السرطان
ومما يثير الانتباه أن هذا التعديل لا يشبه عمل إنزيم التيلوميراز المعروف الذي يضيف مجمعات بروتين الحمض النووي إلى أطراف الكروموسومات في الخلايا الجرثومية والجذعية، وتفيد البيانات بأن الآلية تبدو أقرب إلى مسار يُعرف باسم الإطالة البديلة للتيلوميرات وهو مسار تستخدمه نسبة تتراوح بين عشرة وخمسة عشر بالمئة من السرطانات ويعتمد على نسخ ولصق الحمض النووي التيلوميري من كروموسوم إلى آخر عوضا عن بنائه بواسطة التيلوميراز.
وتدعم بيانات التجربة فكرة أن الأجنة يمكنها تشغيل عملية مماثلة تعتمد على القالب وأنها حساسة لعدم التماثل بين التيلوميرات الأمومية والأبوية، حيث أدى الاقتران الأول فقط بشكل تجريبي ومستمر إلى استطالة تشبه مسار الإطالة البديلة بينما أنتج الاقتران العكسي التأثير المضاد المتمثل في تقصير قابل للقياس، ويجب الإشارة هنا إلى أن النص الأصلي لا يوضح الأسباب البيولوجية العميقة لاختلاف استجابة الجنين بين تيلوميرات الأم وتيلوميرات الأب مكتفيا برصد النتيجة التجريبية. وفي الوقت الحالي يتطلع الفريق لمعرفة مدى انطباق هذه الاتجاهات على البشر استنادا إلى دراساتهم المستمرة، وتؤكد ليفين هذه الخطوة بقولها «على الجانب البشري نستفيد الآن من تسلسل الجينوم طويل القراءة وهذا يتيح لنا النظر مباشرة إلى التيلوميرات في الثلاثيات العائلية الأم والأب والطفل لنسأل عما إذا كانت نفس تأثيرات أصل الوالدين التي رأيناها في الفئران قابلة للاكتشاف في البشر».
وإلى جانب ذلك يهتم الباحثون أيضا بالتداعيات المحتملة لأبحاث السرطان حيث يسمح نموذجهم الجنيني بدراسة بداية مسار الإطالة البديلة بدقة غير مسبوقة، وتشرح ليفين ذلك بقولها «عندما يدرس الناس مسار الإطالة البديلة في الخلايا السرطانية فإنه يكون قد حدث بالفعل لأجيال عديدة لكن في الأجنة يمكننا التقاط هذا المسار في بدايته المبكرة جدا عند أول انقسامات للخلايا وهذا يمنحنا نافذة لمعرفة كيف يتم تشغيل هذا المسار بشكل طبيعي». وبذلك تفتح هذه الدراسة التي حظيت بدعم من المعاهد الوطنية للصحة ومركز بنسلفانيا لسلامة الجينوم وصندوق أبحاث جامعة بنسلفانيا والمؤسسة الوطنية للبحوث في كوريا أبوابا جديدة لفهم الساعات البيولوجية لتبدأ رحلة جديدة لفك شفرة الانقسامات الخلوية الأولى التي تحدد مسار الحياة بأكملها.














