عندما وقف الملك تشارلز ينظر إلى الأوراق المتباعدة لخطابه أمام قاعة الكونجرس المزدحمة لم يكن من الواضح أبدًا أن الدقائق العشرين القادمة ستتحول إلى نجاح ساحق.
قد كان الملك يحمل على كاهله عبء أشهر من العناوين الصحفية القاسية والنظرات السوداوية ليبدو أحيانًا وكأنه شخص يتلقى مكالمات هاتفية مخيبة للآمال باستمرار، غير أن المشهد انقلب فجأة ليجد نفسه محاطًا بعاصفة غير مسبوقة من التصفيق الحار.
وتأتي هذه الزيارة في وقت حرج للعائلة المالكة البريطانية التي عانت مؤخرًا من فضائح متتالية وضعت شعبيتها على المحك، حيث بدت مهمة إصلاح الجسور مع الولايات المتحدة محفوفة بالمخاطر خصوصًا مع استمرار الخلاف السياسي بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء السير كير ستارمر.
ورغم ذلك استطاع الملك من خلال خطابه التاريخي أن يجمع بين السخرية الذكية والتاريخ ليرد على الانتقادات ويُسكت المشككين محققًا انتصارًا مفاجئًا أعاد تذكير العالم بقوة الدبلوماسية الملكية الناعمة.
الملك يفوز بالكأس
وخلال الأيام الماضية من زيارة الدولة ألقى الملك خطابات مازح فيها الرئيس ترامب وتصدى له في الوقت نفسه سارقًا الأضواء ببراعة عبر توجيه ضربات قوية ومدروسة مغلفة بلباقة ملكية معهودة.
هذا الأداء الاستثنائي أسعد العديد من المعلقين وحتى أولئك الذين ينتقدون النظام الملكي عادة حيث بدا المشهد وكأن الطرف الأضعف يفوز بالكأس خلافًا لكل التوقعات.
ولم يخف الكاتب أليستير كامبل، وهو جمهوري معروف بمواقفه المعارضة، إعجابه حيث كتب عبر منصاته «خطاب ممتاز من الملك تشارلز... أحببت الثقة في القيم البريطانية والأوروبية».
وفي السياق ذاته أشاد المؤرخ وكاتب سير رؤساء الوزراء السير أنتوني سيلدون بالبراعة التي أظهرها الملك، موضحًا كيف تمكن من توجيه ضربة تلو الأخرى، لرئيس مبتسم يُعرف بعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته وخرج للتو من محاولة اغتيال.
وأشار سيلدون إلى دفاع الملك بقوة عن قضايا محورية مثل أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي وتغير المناخ والبحرية الملكية وتسليط الضوء على حدود السلطة الرئاسية واصفًا الزيارة بأنها الأهم منذ زيارة جده جورج السادس في عام 1939 عشية الحرب العالمية الثانية..
12 وقفة احترامًا للملك
وبالنسبة للموجودين داخل قاعة الكابيتول كان من المذهل رؤية تحول المزاج العام بسرعة إلى دعم صاخب لم يكن متوقعًا على الإطلاق، فالخطاب المبرمج لعشرين دقيقة فقط حصد في النهاية 12 وقفة تصفيق حارة من الحضور.
والمثير للاهتمام نجاح الخطاب في تجاوز الانقسامات السياسية الحادة، إذ عبر السيناتور الجمهوري المحافظ ليندسي غراهام عن إعجابه قائلًا «ببساطة، لقد أجاد الملك» مضيفًا أن الخطاب كان مزيجًا رائعًا من الذكاء والفكاهة والتاريخ والتقدير معتقدًا شعور معظم أعضاء الكونجرس بتحسن كبير بعد الاستماع إليه.
كما شاركت المرشحة الجمهورية والسفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي هذا الحماس كاتبة «من المذهل رؤية الملك تشارلز يوحد الكونجرس بالطريقة التي تتوق إليها أمريكا» في حين وصفت صحيفة نيويورك تايمز أداء الملك بأنه كان كفنان كوميدي ارتجالي يتفاعل مع الحضور ببراعة.
الإفلات من إبستين
ووضعت الفضائح المتعددة المحيطة بأندرو مونتباتن وندسور أفراد العائلة المالكة في موقف دفاعي صعب، حيث كانت الأيام السابقة لزيارة الدولة مثقلة بالتساؤلات حول لقاء الناجين من قضية إبستين، وما إن استعد الملك للسفر حتى ظهرت دعوات جديدة لإلغاء الرحلة إثر حادث إطلاق النار في واشنطن.
وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة إيبسوس صورة قاتمة بتوقع ثلث المشاركين فقط تأثيرًا إيجابيًا للزيارة، واعتقاد أقل من الربع بوجود علاقة خاصة فعلية بين البلدين.
هذا السياق المشحون جعل النجاح أكثر إثارة للدهشة، لدرجة أن الكاتب وأبرز المنتقدين أندرو لوني تفاجأ بالخطاب الرائع، فرغم إشارته لانتقادات عادلة حول تعامل التاج مع أندرو وضرورة استمرارها حتى تنفيذ الإصلاحات، اعتبر لوني الزيارة مثالًا يفسر بقاءه مؤيدًا للنظام الملكي مضيفًا «كان القلق هو أن ترامب قد يهين أو يحرج الملك، لكن التاريخ سيسجل على الأرجح أن العكس هو ما حدث».
وفي هذا الصدد صرح الدبلوماسي السابق اللورد بيتر ريكتس للإذاعة الوطنية العامة الأمريكية بأنها أصعب وأشق مهمة دبلوماسية ملكية حتى الآن مؤكدًا امتلاك الملك حس دعابة هائلًا.
وذهبت المذيعة إيميلي ميتليس أبعد من ذلك مشيدة بقدرة الخطاب على إدخال البهجة قائلة «ترسل شخصًا إلى هناك ويصفق له الجميع وينجح في ذلك. لقد ألقى خطابًا يشبه فيلم الحب الحقيقي ولكن بقلم أفلاطون. هذا ما شعرنا به، شخص رفع معنوياتنا جميعًا».
وربما يكمن السر الأكبر وراء هذا الصدى الإيجابي الواسع في شعور البريطانيين بوجود من يدافع عنهم أخيرًا بعد فترة طويلة من انتقادات الرئيس ترامب المتكررة، فالقيام بذلك بروح الدعابة أصاب الهدف بدقة وجعل المواجهة أقل حدة وأكثر رقيًا.
ومع اقتراب الزيارة من نهايتها وسط إجراءات أمنية مشددة منعت اللقاءات الجماهيرية ستبقى خطابات الملك تشارلز الإرث الأبرز لهذه الرحلة، ليبقى السؤال المفتوح هل يمثل هذا الانتصار الدبلوماسي بداية لصفحة جديدة تعيد أمجاد العائلة المالكة أم أنه مجرد استراحة قصيرة في مسار مليء بالتحديات المستمرة؟












