في اليوم العالمي للأرض، تبرز أهمية تسليط الضوء على التحولات المتسارعة في الفضاء القريب من كوكبنا، مع تصاعد أعداد الأقمار الصناعية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من البنية التكنولوجية الحديثة، وسط توسع غير مسبوق في المشاريع الفضائية الكبرى.
وفي هذا السياق، قدمت شركة SpaceX في يناير الماضي طلبًا إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية لإنشاء كوكبة ضخمة من الأقمار الصناعية قد يصل عددها إلى مليون قمر صناعي، بهدف تشغيل مراكز بيانات في الفضاء. ويقترح المشروع تشغيل الأقمار على ارتفاع يتراوح بين 500 و2000 كيلومتر في مدار أرضي منخفض، مع تصميم بعض المدارات لتتعرض لأشعة الشمس بشكل شبه دائم.
ويأتي هذا الطلب ضمن سلسلة متسارعة من المقترحات لإنشاء كوكبات أقمار صناعية ضخمة ذات وظائف محددة ودورات استبدال قصيرة لا تتجاوز خمس سنوات، في وقت تشير فيه البيانات إلى وجود نحو 14 ألف قمر صناعي نشط حاليًا في المدار، مقابل 1.23 مليون قمر صناعي إضافي قيد التطوير أو المقترح..
تأثيرات متزايدة للأقمار الصناعية
وفي ظل هذا التوسع المتسارع في أعداد الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، تتزايد التحذيرات من تأثيرات تتجاوز الجوانب التقنية لتشمل أبعادًا ثقافية وروحية وبيئية غالبًا ما لا تُؤخذ في الاعتبار بشكل كافٍ، رغم أهميتها المتنامية.
تعكس هذه الأقمار ضوء الشمس لساعات تمتد بعد غروبها وقبل شروقها، ما يجعلها مرئية كنقاط متحركة في سماء الليل، حتى مع محاولات تقليل سطوعها هندسيًا. ومع ازدياد حجم الكوكبات الفضائية، التي تضم أقمارًا بحجم الشاحنات ضمن شبكات ضخمة، تشير التقديرات إلى تصاعد تأثيرها على صفاء السماء الليلية بشكل ملحوظ.
وفي عام 2021، قدّر علماء الفلك أنه خلال أقل من عقد، قد يصبح قمر صناعي واحد من كل 15 نقطة ضوئية مرئية في السماء ليلًا جسمًا صناعيًا متحركًا، وهو تقدير شمل حينها نحو 65 ألف قمر صناعي ضمن المشاريع المقترحة.
ومع التوجه نحو نشر مئات الآلاف، وربما ملايين الأقمار الصناعية مستقبلًا، تتعزز المخاوف من أن التغير في سماء الليل قد يصبح دائمًا وعالميًا، بما يجعل من الصعب عكس آثاره على الأجيال القادمة.
وبالرغم من أن العمر التشغيلي للقمر الصناعي لا يتجاوز في المتوسط نحو خمس سنوات، تُصمَّم هذه الكوكبات الضخمة بطريقة تتيح استبدال الأقمار وتوسيع أعدادها بشكل مستمر، بما يضمن وجودًا صناعيًا دائمًا في مدار الأرض وسماء الليل.
هذا التراكم التدريجي يقود إلى ما يُعرف بـ"متلازمة تغيير خط الأساس"، حيث يتعامل كل جيل جديد مع سماء ليلية أقل صفاءً من سابقه باعتبارها الوضع الطبيعي، مع تحول مرور الأقمار الصناعية في السماء إلى مشهد مألوف ومتكرر.
ولأول مرة في التاريخ البشري، يشير هذا التغير إلى أن الأجيال القادمة قد لا تنشأ على نفس صورة السماء الليلية التي عرفتها الأجيال السابقة.
مخاوف من توسع الأقمار الصناعية
تتزايد المخاوف في الأوساط العلمية والصناعية والقانونية بشأن العدد الضخم من الأقمار الصناعية المقترح نشره في المدار الأرضي، وسط تحذيرات من تداعيات متعددة الأبعاد.
فعلى الصعيد العلمي، يثير انعكاس ضوء الأقمار الصناعية وانبعاثاتها الراديوية قلقًا متزايدًا لدى مجتمع علم الفلك، نظرًا لتأثيرها على دقة الرصد الفلكي وتشويه المشهد البصري للسماء.
وفي القطاع الصناعي، تتصاعد التحذيرات المرتبطة بإدارة حركة المرور الفضائي، في ظل غياب نظام موحد لتنظيم الملاحة في الفضاء على غرار أنظمة الطيران، ما يرفع من تعقيدات التنسيق وتفادي الاصطدامات.
كما يُحذّر خبراء من تفاقم خطر "متلازمة كيسلر"، التي قد تؤدي إلى سلسلة من الاصطدامات المتتابعة في المدار، في وقت تشير فيه البيانات إلى وجود نحو 50 ألف قطعة من الحطام الفضائي بحجم 10 سنتيمترات أو أكثر، مع تقديرات تفيد بأنه في حال توقف مناورات تجنب الاصطدام، قد يحدث تصادم كبير كل 3.8 أيام تقريبًا.
ولا تقتصر المخاوف على الجوانب التقنية، إذ تمتد إلى أبعاد ثقافية، حيث يؤثر التلوث الضوئي الناتج عن الأقمار الصناعية على استخدامات الشعوب الأصلية لسماء الليل في التقاليد الشفوية والملاحة والصيد والممارسات الروحية.
أما بيئيًا، فتشير تقارير إلى أن عمليات الإطلاق المكثفة تستهلك كميات كبيرة من الوقود الأحفوري وتؤثر على طبقة الأوزون، فيما تثير خطط التخلص من الأقمار الصناعية عبر حرقها في الغلاف الجوي مخاوف إضافية تتعلق بترسب المعادن في طبقات الجو العليا وما قد يترتب عليه من تفاعلات كيميائية ضارة.
وفي الإطار القانوني، تبرز تساؤلات متزايدة حول مسؤولية الأضرار المحتملة، إذ ينص القانون الدولي للفضاء على تحميل الدول مسؤولية الأجسام الفضائية التابعة لها، وليس الشركات، بينما يعمل خبراء القانون على تقييم مدى قدرة هذا الإطار على مساءلة الفاعلين في ظل تصاعد مخاطر الأضرار البيئية أو البشرية أو الدائمة.
تحديات تنظيم انتشار الأقمار الصناعية
تتزايد الدعوات إلى معالجة الثغرات التنظيمية في ملف انتشار الأقمار الصناعية، في ظل توسع غير مسبوق في المشاريع المقترحة لكوكبات فضائية ضخمة.
وفي الوقت الراهن، تركز اللوائح المنظمة على الجوانب الفنية المرتبطة باستخدام الترددات الراديوية، إلى جانب متطلبات السلامة في عمليات الإطلاق، والحد من الآثار البيئية على سطح الأرض، وتحديد المسؤولية القانونية في حال وقوع أعطال أو حوادث.
غير أن هذه الأطر التنظيمية لا تتناول التأثيرات الأوسع لوجود مئات الآلاف من الأقمار الصناعية الساطعة على سماء الليل، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على مجالات البحث العلمي والملاحة والتعليم، إضافة إلى تأثيرها على الممارسات الثقافية والاحتفالات الخاصة بالسكان الأصليين واستمرارية تراثهم.
ويشير مختصون إلى أن هذه التأثيرات لا تندرج ضمن المفهوم التقليدي للأضرار البيئية، كما أنها لا تُعالج ضمن المخاوف الهندسية البحتة، بل تقع ضمن نطاق آثار ثقافية وبصرية لا تزال خارج نطاق التنظيم الحالي.
وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات لاعتماد ما يُعرف بتقييم تأثير السماء المظلمة، وهو إطار مقترح من محاميي الفضاء غريغوري راديسيتش وناتالي غيليسبي، يهدف إلى دراسة وتوثيق وتحليل جميع آثار كوكبات الأقمار الصناعية المقترحة بشكل شامل قبل المضي في تنفيذها.
ويتطلب إجراء هذا التقييم جمع الأدلة من مختلف الأطراف المعنية، بما يشمل علماء الفلك والباحثين البيئيين وعلماء الغلاف الجوي والباحثين الثقافيين والمجتمعات المتأثرة، إلى جانب ممثلي الصناعة.
كما يشمل التقييم نمذجة الآثار التراكمية للأقمار الصناعية، بما في ذلك تأثيرها على وضوح وتوهج سماء الليل، وازدحام المدارات، ومخاطر الحطام الفضائي وسلامة الأرض.
ويُفترض أن يحدد معايير واضحة لتحديد الحالات التي تكون فيها السماء غير المحجوبة ضرورية للبحث العلمي والملاحة والتعليم والممارسات الثقافية والتراث الإنساني.
كما تتضمن الخطة مسارات للحد من الآثار السلبية، مثل تقليل سطوع الأقمار الصناعية، وتعديل تصميم المدارات، وتنظيم عمليات الإطلاق، مع تشجيع تقليل عدد الأقمار المستخدمة في كل مشروع، مع ضرورة أن تكون النتائج شفافة وقابلة للمراجعة المستقلة، وأن ترتبط بشكل مباشر بقرارات الترخيص والسياسات التنظيمية.
اقرأ أيضًا:
في اليوم العالمي للإبداع والابتكار.. إنجازات صنعت المستقبل
تطوير طريقة جديدة لتحسين طعم وقوام مشروبات البروتين
لماذا ترتفع معدلات السرطان بين غير المتزوجين؟.. دراسة تجيب














