كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Journal of Personality وأعدّها الباحث ليماي جونيور وفريقه في جامعة ميرلاند، أن القناعات الأساسية التي يحملها الأفراد تجاه العالم قد تلعب دورًا حاسمًا في شعورهم بعدم الرضا عن تفاعلاتهم الاجتماعية، بل وقد تسهم في ترسيخ الإحساس بالوحدة المزمنة.
ووفقًا لموقع " psychologytoday" أوضحت الدراسة أن الوحدة لا تقتصر على العزلة أو غياب الرفقة، بل تمثل تجربة ذاتية مؤلمة تنشأ عندما يشعر الفرد بأن محيطه الاجتماعي غير كافٍ؛ سواء من حيث عدد العلاقات، أو مستوى التفاعل، أو جودة الروابط التي تفتقر إلى القرب والدعم العاطفي.
وبيّنت النتائج أن استمرار الشعور بالوحدة يرتبط بتداعيات صحية ونفسية متعددة، من بينها الاكتئاب، والآلام الجسدية، واضطرابات النوم، والشعور بالخجل، إضافة إلى زيادة القابلية للإصابة ببعض الأمراض مثل الإنفلونزا.
ورغم أن الوحدة تُعد تجربة إنسانية مشتركة، فإنها تحمل مفارقة لافتة؛ إذ يمكن أن تعمّق شعور الفرد بالانفصال حتى وهو يعيش ضمن مجتمع واسع. وتشير تقديرات في الولايات المتحدة إلى أن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص يعاني هذا الإحساس بدرجات متفاوتة.
الأسباب الخفية للشعور بالوحدة
تتعدد أسباب الشعور بالوحدة، غير أن عاملًا محوريًا قد يظل خفيًا يتمثل في معتقدات الفرد تجاه العالم من حوله. وتشير معطيات نفسية إلى أن استمرار الوحدة لفترات طويلة لا ينعكس فقط على الحالة المزاجية، بل قد يؤثر في طريقة إدراك الأشخاص للآخرين وتفسير سلوكياتهم، ما يعمّق الإحساس بالعزلة والانفصال.
ووفقًا لخبراء في علم النفس، يميل من يعانون من وحدة مزمنة إلى تبني نمط دفاعي قائم على الحذر المفرط واليقظة العالية، ويترتب على ذلك تراجع الانخراط الاجتماعي والرغبة في الانعزال.
هذا التوجه الدفاعي يسهم تدريجيًا في تشكيل قناعات سلبية عن العالم، إذ قد يُنظر إليه على أنه مكان غير آمن أو بارد أو يفتقر إلى المعنى. إلا أن هذا الانسحاب، رغم كونه محاولة للحماية، يحرم الأفراد من فرص خوض تجارب اجتماعية إيجابية يمكن أن تصحح تلك التصورات وتحدّ من دائرة الوحدة المتفاقمة.
تشير المعطيات النفسية إلى أن وجود علاقات داعمة تُحدث فارقًا ملموسًا في مواجهة الشعور بالوحدة. فحين يحاط الفرد بأشخاص يقدّمون الدعم، تزداد احتمالية تعرّضه لتجارب إيجابية تعزز إحساسه بالانتماء.
وتتجلى هذه التأثيرات في سماع الأخبار السارة من المحيطين، وتلقي كلمات التشجيع، ومشاركة الإنجازات الشخصية، إضافة إلى الحصول على الرعاية والدعم العاطفي. وتؤكد هذه الأنماط من التفاعل الاجتماعي دورها المحوري في كسر دائرة الوحدة، إذ تساعد على إعادة بناء الشعور بالترابط وتعزيز الإحساس بالاندماج داخل النسيج الاجتماعي.
علم نفس الوحدة والمعتقدات
يرى الباحث ليماي جونيور وزملاؤه أن الافتراضات الأساسية التي يحملها الأفراد عن العالم قد تمثل آلية معرفية تفسّر جزئيًا العلاقة بين الشعور بالوحدة وخوض تجارب اجتماعية غير مُرضية تُبقي هذا الشعور قائمًا.
وبحسب طرحهم، يميل الأشخاص الذين يعانون من الوحدة إلى النظر إلى العالم بوصفه أقل أمانًا، وأقل جدارة بالاستكشاف، وأقل حيوية أو معنى، بل وأقل خيرًا في طبيعته.وتشير التفسيرات النفسية إلى أن تبنّي مثل هذه التصورات قد يدفع الأفراد إلى تقليل انخراطهم في التفاعلات الاجتماعية
لاختبار فرضيتهم، أجرى الباحثون دراسة شملت 236 زوجًا رومانسيًا بمتوسط عمر 36 عامًا، أغلبهم في علاقات عاطفية مستقرة أو زواج.
طُلب من المشاركين تعبئة استبيانات لقياس معتقداتهم عن العالم، ومستوى شعورهم بالوحدة، وتقدير الذات، وأعراض القلق والاكتئاب، إلى جانب تسجيل تقييم يومي لتفاعلاتهم الاجتماعية لمدة أسبوعين، ثم متابعة لاحقة بعد عام.
وأظهرت النتائج أن الأفراد الذين يعانون من الوحدة ينظرون إلى العالم باعتباره أقل أمانًا وجاذبية ومعنى، بل ويفتقر إلى الفرص والمكافآت. كما ارتبطت هذه المعتقدات السلبية بانخفاض عدد التفاعلات الاجتماعية وتراجع جودتها.
وخلصت الدراسة إلى أن رؤية العالم كمكان مهدد قد تدفع الأفراد إلى التمسك بعلاقات محدودة طلبًا للأمان، لكنها في الوقت نفسه تقلّص انخراطهم الاجتماعي، ما يسهم في استمرار شعورهم بالوحدة بمرور الوقت.
طرق التغلب على الشعور بالوحدة
تشير المعطيات النفسية إلى أن مواجهة الشعور بالوحدة لا تقتصر على زيادة عدد العلاقات، بل تبدأ بتحدي المعتقدات الأساسية التي يحملها الفرد عن العالم و تعيق انخراطهم الاجتماعي.
ومن بين الأساليب المدعومة علميًا في هذا السياق، يبرز العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، الذي يركز على كشف الأفكار غير المتكيفة وتعديلها، بما في ذلك التصورات السلبية عن العالم، ما يسهم في كسر نمط الانسحاب الاجتماعي.
كما تلعب التجارب الاجتماعية الإيجابية دورًا محوريًا في إحداث التغيير. فبناء علاقات جديدة تدريجيًا، وبوتيرة مريحة، يتيح تكوين توقعات أكثر تفاؤلًا. ومع تكرار مواقف الدعم والتشجيع والاحتفاء بالإنجازات، قد تبدأ النظرة إلى العالم في التحول.
وبمرور الوقت، يمكن أن تتشكل رؤية مختلفة للواقع؛ رؤية يغلب عليها الشعور بالأمان والترابط والمعنى، بدلًا من العزلة والانفصال.
اقرأ أيضًا :
اقطع صيامك.. علامات تحذيرية لمرضى السكري في رمضان
مكون غير متوقع يجعل الخبز صحي أكثر
تناول الأسبرين يوميًا خلال الحمل؟.. دراسة تكشف الفوائد














