تبدأ الوعود التسويقية لدمج الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل بصورةٍ ورديةٍ، تعتمد على تفويض المهام الشاقة لفرقٍ افتراضيةٍ، تمنح الموظف وقتًا للتفكير الاستراتيجي وتناول غداءٍ طويلٍ أو العودة مبكرًا إلى المنزل، حيث تفترض هذه الفكرة تحقيق إنتاجيةٍ أعلى ومكاسبَ ماليةٍ أكبر.
وتصطدم هذه الرؤية بحقيقةٍ يدركها كل من مارس دور المدير، وتتلخص في أن الإدارة بحد ذاتها وظيفةٌ تجلب ضغوطًا وإزعاجاتٍ خاصةً لا تتغير حين يكون الموظفون الخاضعون للإدارة مجرد برمجيات.
وفي هذا السياق، أظهرت دراسةٌ حديثةٌ أجرتها مجموعة بوسطن الاستشارية ونشرتها مجلة «هارفارد بزنس ريفيو»، الأسبوع الماضي، جانبًا مظلمًا لهذه التجربة، فقد عانى المشاركون في الدراسة من إحساسٍ حادٍ بالضجيج والتشوش الذهني عند الإشراف على وكلاء ذكاءٍ اصطناعيٍ متعددين، وهي برامجُ مستقلةٌ مصممةٌ لتنفيذ المهام وليست مجرد روبوتات محادثةٍ تولد المعلومات.
وانطلاقًا من ذلك، أطلق الباحثون على هذه الحالة اسم احتراق الدماغ الاصطناعي، وعرفوها بأنها إرهاقٌ ذهنيٌ ناتجٌ عن الاستخدام المفرط، أو الإشراف على أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يتجاوز القدرة المعرفية للموظف.
ويحذر الباحثون بشدةٍ من تبعات هذا الإرهاق بقولهم «على عكس الوعد بتوفير المزيد من الوقت للتركيز على العمل الهادف، يمكن أن يصبح التوفيق بين المهام المتعددة السمة المميزة للعمل مع الذكاء الاصطناعي». وأضافوا أن هذا الضغط الذهني يحمل تكاليفَ باهظةً تتمثل في زيادة أخطاء الموظفين وإرهاق اتخاذ القرار وتصاعد النية لترك العمل.
ولتوضيح هذا الأثر، أعادت تصريحات الموظفين المشاركين في الدراسة، صورة أبناء جيل الألفية الأوائل عام 1997 وهم يهرعون إلى منازلهم لرعاية ألعاب تاماجوتشي الرقمية، إذ وصف أحد كبار مديري الهندسة هذه التجربة للباحثين موضحًا «كان الأمر كما لو أن لدي اثنتي عشرة علامة تبويب متصفحٍ مفتوحةٍ في رأسي، وكلها تتنافس على لفت الانتباه»
كما أضاف أنه وجد نفسه يعيد قراءة نفس الأشياء ويشكك في قراراته أكثر من المعتاد ويشعر بنفاد صبرٍ غريبٍ، مؤكدًا أن تفكيره لم يكن معطلًا وإنما مليءٌ بالضجيج كالتشويش الذهني.
ويمثل هذا الاحتراق في جوهره أثرًا جانبيًا لضغوط المديرين التنفيذيين لدفع الموظفين نحو استخدام الذكاء الاصطناعي بكثافةٍ، وهو ما يعيد للأذهان تقريرًا سابقًا لمجلة هارفارد بزنس ريفيو في الخريف الماضي وثق ظاهرةً أخرى سميت هراء العمل.
وتتمثل هذه الظاهرة في مذكراتٍ وعروضٍ تقديميةٍ غير منطقيةٍ يولدها الذكاء الاصطناعي وتخلق عملًا إضافيًا للزملاء الذين يضطرون لتصحيح أخطاء الروبوت.
وفي تعليقها على هذا الأمر، قالت الطبيبة النفسية جابرييلا روزن كيلرمان، التي شاركت في تأليف التقريرين، في مقابلةٍ، إن هراء العمل يعكس استسلامًا معرفيًا يشعر فيه العمال بعدم التحفيز ويسلمون العمل للذكاء الاصطناعي دون الاهتمام الحقيقي بالنتائج.
وأوضحت كيلرمان الفارق بقولها «احتراق الدماغ هو العكس تقريبًا، وهو يشبه محاولة الدخول في مواجهة ذكاءٍ لذكاءٍ مع الذكاء الاصطناعي».
وفي سياقٍ متصلٍ بهذه التحديات، وصف فرانشيسكو بوناتي، الرئيس التنفيذي لشركة كوا إيه آي المتخصصة في بناء وكلاء الذكاء الاصطناعي، إرهاقه بأنه شلل برمجة الأجواء، في إشارةٍ إلى اتجاه وادي السيليكون لبناء مشاريعَ أقلَّ صقلًا باستخدام أوامر الذكاء الاصطناعي عوضًا عن البرمجة التقليدية.
وقد كتب بوناتي في مقالٍ على منصة إكس الشهر الماضي «أنهي كل يومٍ منهكًا، ليس من العمل نفسه وإنما من إدارة العمل»، مضيفًا أنه يترك ست شجرات عملٍ مفتوحةٍ وأربع ميزاتٍ نصف مكتوبةٍ وإصلاحين سريعين أديا إلى فوضى مع شعورٍ متزايدٍ بفقدان السيطرة على الحبكة بالكامل.
وتعد هذه الظواهر كلها جزءًا من آلام النمو والتكيف مع التقنية الجديدة، حيث يشبه الأمر انتزاع موظفٍ في منتصف العمر من عام 1986 وإسقاطه فجأةً في بيئة عمل عام 2026 ومطالبته بإرسال عشر رسائل بريدٍ إلكترونيٍ والرد على رسائل سلاك والانضمام إلى مكالمة زووم مع فريق تواصلٍ اجتماعيٍ يعمل من المنزل.
ومن المؤكد أن هذا الموظف سيعاني من عبءٍ معرفيٍ زائدٍ إلى جانب نظراتٍ حائرةٍ عند إخباره أن دونالد ترامب أصبح رئيسًا وأن إنتاج جزءٍ ثانٍ من فيلم توب غان استغرق أكثر من ثلاثين عامًا.
ورغم هذه الصعوبات، يتعلم الناس كيف يصبحون مديرين بمرور الوقت، وهو ما أكده ماثيو كروب المدير الإداري في مجموعة بوسطن الاستشارية والمؤلف المشارك في دراسة احتراق الدماغ بقوله «أعتقد أن هذا قد يكون مؤقتًا، فهذه أدواتٌ لم تكن لدينا من قبل».
وقارن كروب تجربة إدارة أدوات ذكاءٍ اصطناعيٍ متعددةٍ بتجربة شخصٍ تعلم للتو القيادة وتم تسليمه سيارة فيراري، حيث يمكنه الانطلاق بسرعةٍ كبيرةٍ مع سهولة فقدان السيطرة في أي لحظةٍ.
ولا يقتصر هذا التخبط على المبتدئين، فحتى محترفو التكنولوجيا يواجهون صعوباتٍ في السيطرة على مساعديهم الاصطناعيين، إذ غردت مديرة سلامة وتوافق الذكاء الاصطناعي في شركة ميتا الشهر الماضي حول تجربتها الشخصية عند مشاهدة الروبوتات تكاد تحذف صندوق الوارد الخاص بها دون إذنٍ. وكتبت أنها اضطرت للركض نحو جهاز ماك ميني الخاص بها وكأنها تفكك قنبلةً، واصفةً الحادث بأنه خطأ مبتدئين.
وفي خضم هذه التحديات المتصاعدة، أكد كروب وكيلرمان أن نتائج الدراسة لم تكن سلبيةً بالكامل، فقد أظهرت البيانات مفارقةً مفاجئةً تتمثل في أن الأشخاص الذين يعانون من احتراق الدماغ يميلون إلى تجربة مستوياتٍ أقلَّ من الإرهاق الوظيفي المزمن الذي يتراكم بمرور الوقت ويضعف الأداء.
وقد وصف المشاركون احتراق الدماغ بأنه تجربةٌ حادةٌ ومؤقتةٌ تختفي بمجرد الابتعاد عن الشاشات، وهو ما لخصته كيلرمان بإيجازٍ قائلةً «عندما يأخذون استراحةً يختفي هذا الشعور».
وتترك هذه النتيجة الموظفين أمام واقعٍ متجددٍ يتطلب توازنًا دقيقًا بين تفويض المهام للآلة وبين الحفاظ على صفاء الذهن البشري لضمان استمرارية العمل.














