واصل المنتخب المغربي كتابة فصل جديد في كأس العالم 2026، بعدما حجز مقعده في ربع النهائي بفوزه على كندا بثلاثية نظيفة، ليعزز سلسلة لافتة من النتائج جعلته يدخل دائرة أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، وفقًا لتحليل نشرته BBC.
ورغم أن الأداء أمام كندا لم يكن الأكثر إقاعًا أو جمالًا، فإن المنتخب المغربي نجح في تحقيق الهدف الأهم وهو التأهل، في مباراة أثبت خلالها قدرته على حسم المواجهات حتى عندما لا يقدم أفضل مستوياته.
سلسلة استثنائية بلا خسارة
حقق المغرب الفوز رغم أنه سدد خمس كرات فقط طوال المباراة، وهو أقل عدد من التسديدات لفريق يحقق الفوز في مباراة إقصائية بتاريخ كأس العالم.
كما شهد الشوط الأول رقمًا غير مسبوق، إذ تجاوز عدد البطاقات الصفراء عدد التسديدات، في أول حالة من نوعها في تاريخ البطولة.
وبعد بداية شهدت فرصتين مبكرتين لكندا أنقذهما الحارس ياسين بونو، فرض المنتخب المغربي سيطرته تدريجيًا على مجريات اللقاء حتى خرج بانتصار مريح.
لم يتعرض المنتخب المغربي لأي هزيمة في آخر 34 مباراة بمختلف المسابقات.
وتشمل هذه السلسلة نهائي كأس الأمم الإفريقية 2026 أمام السنغال، وهي المباراة التي احتُسب الفوز فيها للمغرب بأثر رجعي، بينما لا يزال القرار محل طعن قانوني.
أما آخر خسارة للمنتخب فكانت أمام كينيا في أغسطس 2025 ضمن بطولة أمم إفريقيا للمحليين، وهي بطولة تقتصر على اللاعبين الناشطين في الدوريات المحلية داخل القارة.
أرقام تاريخية
نجح المغرب في الحد من خطورة أبرز نجوم كندا، وعلى رأسهم جوناثان ديفيد وستيفن أوستاكيو، بينما تألق عدد من لاعبيه في المقابل.
وبرز القائد أشرف حكيمي كأحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في المباراة، بينما صنع إبراهيم دياز هدفين، ليرفع رصيده إلى أربع تمريرات حاسمة في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، وهو أعلى رصيد لأي لاعب إفريقي في البطولة.
وقال المدرب محمد وهبي إن الفريق حافظ على هويته رغم صعوبة المباراة، مشيرًا إلى أن بعض التعديلات بين الشوطين ساعدت على استعادة السيطرة دون تغيير فلسفة اللعب.
وأضاف أن المنتخبات الكبيرة مطالبة بإظهار الصلابة في الفترات التي لا تكون خلالها في أفضل حالاتها.
بلغ المغرب ربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية تواليًا بعد إنجازه التاريخي في نسخة 2022.
كما أصبح يمتلك أربع انتصارات في الأدوار الإقصائية للمونديال، وهو العدد نفسه الذي حققته جميع المنتخبات الإفريقية الأخرى مجتمعة.
وسيمنح الفوز في المباراة المقبلة المنتخب المغربي معادلة أفضل إنجاز له عندما بلغ نصف نهائي مونديال 2022، ليبقى أول منتخب إفريقي يصل إلى هذا الدور.
اختبارات أصعب تنتظر أسود الأطلس
استهل المغرب مشواره في البطولة بالتعادل مع البرازيل، ثم حقق انتصارين على اسكتلندا وهايتي، قبل أن يتجاوز هولندا بهدف متأخر في الوقت بدل الضائع، ثم يفوز على كندا.
ورأى محلل BBC Radio 5 Live كريس ساتون أن المنتخب المغربي لم يقدم أفضل مستوياته أمام كندا، خاصة خلال الشوط الأول، لكنه أظهر شخصية قوية وتحسن بصورة واضحة مع تقدم المباراة.
وأضاف أن المغرب يمتلك قوة كبيرة في الهجمات المرتدة، لكنه سيكون مطالبًا برفع مستواه إذا واجه فرنسا في الدور المقبل.
لم يأتِ نجاح المغرب من فراغ، بل جاء نتيجة استثمارات طويلة في تطوير كرة القدم.
فقد افتُتحت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم عام 2009، ثم مركز تدريب حديث بلغت كلفته نحو 65 مليون دولار عام 2019، وأسهم المشروعان في تطوير المواهب المحلية واستقطاب لاعبين من أبناء الجالية المغربية في الخارج، مثل أشرف حكيمي وإبراهيم دياز المولودين في إسبانيا.
وأكد محمد وهبي أن ما يعيشه المنتخب اليوم هو ثمرة الاستثمارات التي شهدتها الكرة المغربية خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى الدور الكبير الذي لعبته الأكاديمية في بناء هذا الجيل.
لم يعد المغرب مفاجأة
بعد غياب استمر 20 عامًا عن كأس العالم بين 1998 و2018، تغيرت مكانة المنتخب المغربي بصورة كبيرة.
وبات يُنظر إلى المغرب باعتباره أحد المنتخبات القادرة على المنافسة مع كبار العالم، وليس مجرد منتخب يصنع المفاجآت.
وقال وهبي إن الحديث عن المغرب اليوم يدور حول منتخب كبير ومرشح حقيقي، مضيفًا أن ما تحقق ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسار يسعى المنتخب إلى مواصلته في البطولات المقبلة.
ويبدو الفارق الأبرز مقارنة بمونديال 2022 أن رحلة المغرب الحالية لا تقوم على عنصر المفاجأة، بل على قناعة متزايدة بأنه أصبح يمتلك المقومات التي تجعله أحد أبرز المنافسين على لقب كأس العالم.













