تحمل مواجهة هولندا والمغرب في دور الـ32 من كأس العالم 2026 أبعادًا تتجاوز المنافسة الرياضية، إذ تعكس قصة امتدت لعقود بين الهجرة والهوية والانتماء، في واحدة من أكثر المباريات التي تجسد التحولات التي شهدتها كرة القدم الحديثة.
فعلى أرض الملعب، يدخل المنتخبان اللقاء بعد مشوار قوي في دور المجموعات. تصدرت هولندا المجموعة السادسة برصيد سبع نقاط وسجلت عشرة أهداف، بينما تأهل المغرب دون خسارة أيضًا بعدما أنهى دور المجموعات خلف البرازيل بفارق الأهداف فقط.
لكن أهمية المباراة لا ترتبط فقط بنتيجتها، بل بما تمثله من تغير في العلاقة بين البلدين داخل كرة القدم الدولية.
تحول في خيارات اللاعبين مزدوجي الجنسية
لسنوات طويلة، كان اللاعبون المولودون في هولندا والمنحدرون من أصول مغربية يختارون تمثيل المنتخب الهولندي إذا أتيحت لهم الفرصة.
وكان دريس بوساطا أول لاعب هولندي من أصول مغربية يمثل هولندا عام 1998، قبل أن ينتقل لاحقًا لتمثيل المغرب بعدما اقتصرت مشاركاته مع المنتخب الهولندي على مباريات ودية، وهو ما كانت تسمح به لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجيًا خلال العقد الماضي. استثمر الاتحاد المغربي لكرة القدم منذ أكثر من عقد في بناء شبكة واسعة لاكتشاف اللاعبين مزدوجي الجنسية في أوروبا، خاصة في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا.
ولم يقتصر العمل على متابعة اللاعبين فنيًا، بل امتد إلى بناء علاقات مبكرة مع عائلاتهم وإقناعهم بالمشروع الرياضي للمنتخب المغربي قبل وصولهم إلى مرحلة المنتخب الأول.
وأشار مسؤولون سابقون في الاتحاد المغربي إلى أن دور الأسرة كان عاملًا مؤثرًا في اتخاذ كثير من اللاعبين قرار تمثيل المغرب.
وأثمرت هذه السياسة عن تغير واضح في تركيبة المنتخب المغربي، إذ ضمت قائمة مونديال 2018 خمسة لاعبين مولودين في هولندا، بينما ارتفع عدد اللاعبين المولودين خارج المغرب إلى 14 لاعبًا خلال كأس العالم 2022، التي شهدت وصول المنتخب إلى الدور نصف النهائي لأول مرة في تاريخ القارة الإفريقية.
جيل جديد يختار أسود الأطلس
شكل قرار حكيم زياش نقطة تحول بارزة في هذه القصة. فزياش، المولود في هولندا والذي تدرج بالكامل في منظومتها الكروية، لعب مع المنتخبات السنية الهولندية وتلقى استدعاءً للمنتخب الأول عام 2015، إلا أنه اختار لاحقًا تمثيل المغرب.
وأوضح اللاعب حينها أن قراره جاء انطلاقًا من شعوره بالانتماء، مؤكدًا أنه اختار بقلبه.
ويرى التقرير أن تفسير هذا التحول باعتبارات سياسية فقط لا يعكس الصورة الكاملة، إذ ترتبط قرارات اللاعبين مزدوجي الجنسية أيضًا بعوامل شخصية وعائلية وثقافية، إلى جانب المشروع الرياضي الذي يقدمه كل منتخب.
ولم يكن زياش الوحيد، إذ سار على النهج نفسه عدد من اللاعبين الذين نشأوا داخل الأكاديميات الهولندية، من بينهم نصير مزراوي، وسفيان أمرابط، وأنس صلاح الدين، فيما نشأ إسماعيل الصيباري داخل منظومة نادي آيندهوفن رغم ولادته في إسبانيا.
تعكس تشكيلة المغرب في مونديال 2026 هذا التحول بصورة واضحة.
فمن أصل 26 لاعبًا، وُلد 19 خارج المغرب، بينهم ستة في فرنسا، وستة في إسبانيا، وثلاثة في هولندا، وثلاثة في بلجيكا، ولاعب واحد في كندا، مقابل سبعة فقط ولدوا داخل المغرب.
وخلال مباراته أمام البرازيل في دور المجموعات، أصبح المغرب أول منتخب في تاريخ كأس العالم يبدأ مباراة بتشكيلة أساسية كاملة من لاعبين وُلدوا خارج المغرب.
كما تشير بيانات البطولة إلى أن نحو ربع لاعبي كأس العالم 2026 يمثلون دولًا غير الدول التي وُلدوا فيها، فيما تضم ثمانية منتخبات عددًا من اللاعبين المولودين خارج حدودها يساوي أو يفوق عدد المولودين داخلها، في انعكاس واضح لتأثير الهجرة على كرة القدم الدولية.
تحولات صنعت مواجهة مختلفة
ترتبط هذه القصة بتاريخ طويل من الهجرة المغربية إلى هولندا، التي بدأت مع اتفاقيات العمل في أواخر ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول الهجرة المؤقتة إلى مجتمعات مستقرة يعيش أبناؤها بين ثقافتين وهوية مزدوجة.
ومع ذلك، تفرض كرة القدم الدولية على اللاعب اختيار منتخب واحد فقط، وهو قرار يراه كثيرون تعبيرًا عن شعور بالانتماء أكثر من كونه رفضًا للطرف الآخر.
ويرى التقرير أن القضية لم تعد تتعلق بما إذا كان هؤلاء اللاعبون سيحجزون مكانًا في التشكيلة الأساسية لهولندا، بل بأن عددًا كبيرًا من المواهب التي نشأت داخل المنظومة الكروية الهولندية أصبح اليوم يمثل أحد أبرز منافسيها على الساحة الدولية.
وبعد 32 عامًا على فوز هولندا على المغرب في مونديال الولايات المتحدة 1994 بقيادة دينيس بيركامب، تبدو العلاقة الكروية بين البلدين مختلفة تمامًا.
فبينما لا تزال هولندا واحدة من أبرز الدول المنتجة للمواهب والأفكار الكروية، نجح المغرب في بناء واحد من أكثر برامج استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية تطورًا، لتتحول مواجهة المنتخبين إلى فصل جديد في قصة تمتد بين كرة القدم والهوية والهجرة.














