رغم التوقعات الواسعة بأن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجهًا بارزًا ومستدامًا في بطولة كأس العالم الحالية، إلا أنه لم يحضر أي مباراة حتى الآن.
يأتي هذا الغياب على الرغم من الأداء القوي للمنتخب الأمريكي الذي فاز بمباراتين من مبارياته الـ3 في دور المجموعات وحسم تأهله للأدوار الإقصائية، مما يثير تساؤلات عديدة حول أسباب هذا الابتعاد ومدى احتمالية ظهوره قبل المباراة النهائية.
مفارقة تاريخية
يعيد هذا الموقف إلى الأذهان مفارقة تاريخية؛ فقبل 32 عامًا، وتحديدًا في 17 يونيو 1994، وقف الرئيس الأسبق بيل كلينتون في ملعب "سولجر فيلد" بشيكاغو ليرحب بالعالم في افتتاح أول مونديال تستضيفه البلاد، مؤكدًا أن البطولة أسرت مخيلة الأمريكيين.
واليوم، تستضيف الولايات المتحدة الحدث مجددًا، ومع ذلك، تخطت البطولة منتصف طريقها دون أن يسجل الرئيس الحالي أي حضور؛ وهو أمر مفاجئ بالنظر إلى الحماس الكبير الذي أبداه ترامب سابقًا، حيث أشاد بمبيعات التذاكر القياسية واصفًا إياها بالبطولة الأنجح في تاريخ الفيفا.
فضلاً عن إشاراته المتكررة للحدث منذ عشية تنصيبه الرئاسي العام الماضي، ودوره المحوري في قرعة واشنطن، إذ منحه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، جائزة "الفيفا الأولى للسلام".
ويرتبط ترامب وإنفانتينو بعلاقة وثيقة تشهد عليها اللقاءات في المكتب البيضاوي ومنتجع "مارا لاغو"، كما عرف الرئيس بشغفه بالمنصات الرياضية الكبرى؛ إذ حضر مؤخرًا "السوبر بول" ونهائي كأس العالم للأندية، وافتتاح كأس "رايدر" للجولف.
لكنه في 12 يونيو، فضّل الغياب عن مباراة أمريكا الافتتاحية ضد باراغواي في لوس أنجلوس، مرسلاً وزير خارجيته ماركو روبيو بدلاً منه، من أجل إعطاء الأولوية لحدث لبطولة القتال النهائي "UFC" في البيت الأبيض احتفالاً بعيد ميلاده الـ80 والذكرى الـ250 لتأسيس أمريكا.
ويرى الخبير الاستراتيجي فيديريكو دي خيسوس، المدير الإعلامي السابق لأوباما، أن هذا السلوك ليس غريبًا على شخصية ترامب؛ فرياضة الـ UFC تمثل شغفًا خاصًا له، كما أنه يفضل دائمًا الأحداث الختامية الكبرى ذات نسب المشاهدة العالية مثل نهائي كأس العالم، متوقعًا غيابه عن المباريات العادية كما حدث في مواجهتي أستراليا وتركيا.
ويشير دي خيسوس إلى أن ترامب يختلف تمامًا عن أوباما الذي كان ليتصرف كدبلوماسي ومضيف لبق يحضر الافتتاح، لافتًا إلى أن ترامب غاب مؤخرًا حتى عن زفاف ابنه الأكبر لأسباب حكومية.
ويرجح الخبير أيضًا أن الرئيس ربما يتوخى الحذر تجنبًا لصيحات الاستهجان التي واجهها في نهائيات الـ NBA بنيويورك، خاصة أمام جمهور المونديال المتنوع ثقافيًا، وفي مدن ديمقراطية قوية مثل لوس أنجلوس وسياتل قد تثير سياساته الخارجية والخاصة بالهجرة حساسية لديهم.
حسابات سياسية
من جانب آخر، يعزو البعض هذا الغياب إلى جدول أعمال الرئيس المزدحم للغاية؛ حيث كان يستعد إبان المباراة الافتتاحية لقمة مجموعة السبع في فرنسا ويخوض مفاوضات معقدة أثمرت عن اتفاق سلام مع إيران في 18 يونيو.
وعلى الصعيد الإقليمي، انقسم قادة الدول المستضيفة؛ فبينما حضر رئيس وزراء كندا مارك كارني مباراة بلاده، قاطعت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم المباريات احتجاجًا على ارتفاع أسعار التذاكر.
في المقابل، يؤكد المقربون من ترامب أنه يتابع البطولة عن كثب، مشيريين إلى أنه أجرى اتصالاً هاتفيًا بالمنتخب قبل مباراته الأولى، بينما تمثلت إدارته رسميًا بحضور وزراء الأمن الداخلي والصحة والنقل لعدة مباريات، إلى جانب حضور السيدة الثانية أوشا فانس لمباراة تركيا.
وفي حين أكد إنفانتينو وأندرو جولياني، رئيس فريق عمل البيت الأبيض للمونديال، أن ترامب يعشق عنصر المفاجأة والإثارة وقد يظهر فجأة قبل النهائي، يبقى التطلع الأكبر لحضوره المؤكد في 19 يوليو بنيوجيرسي لتسليم الكأس، وهو الحضور الذي سيكون كافيًا جدًا لإرضاء الفيفا طالما لم يهيمن على رمزية الحدث.











