يقف المنتخب الإنجليزي أمام لحظة تاريخية فارقة في مسيرته المونديالية، لحظة تمتزج فيها مشاعر الفخر بمرارة الفرص الضائعة، فبعد تحقيق فوز مثير ومجنون على نظيره الفرنسي بنتيجة 6 أهداف مقابل 4، وانتزاع الميدالية البرونزية والمركز الثالث في كأس العالم، وهو الإنجاز الأفضل للكرة الإنجليزية منذ التتويج التاريخي باللقب عام 1966.
هذا النجاح جعل لاعب أرسنال والمنتخب الإنجليزي، ديكلان رايس، الذي حمل شارة القيادة، أمس، يدافع بشراسة عن رفاقه، مؤكدًا أن هذه المجموعة هي التشكيلة الأفضل التي حظيت بها إنجلترا منذ فترة طويلة جدًا، وهي حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها، وأن ملامسة الذهب في البطولات الكبرى باتت مسألة وقت ليس إلا.
ورغم الانتقادات الحادة التي حاصرت المدير الفني الألماني توماس توخيل عقب الانهيار المؤلم في الدور نصف النهائي أمام الأرجنتين، فإن الأجواء داخل المعسكر الإنجليزي في ميامي بدت مليئة بالفخر والاعتزاز في أثناء استلام الميداليات، وعبر رايس عن سأم اللاعبين من تكرار نغمة الفخر بالوصول إلى المربع الذهبي أو ربع النهائي، مشددًا على أن الطموح الحقيقي هو منصة التتويج الأولى، لكن انتزاع المركز الثالث في بطولة بهذا الحجم يظل إنجازًا حقيقيًا يحسب لهذا الجيل الذي عانى من تقلبات الصحافة والجماهير في السنوات الأخيرة.
ولم تكن مشاعر الفخر حكرًا على اللاعبين داخل المستطيل الأخضر، بل امتدت لتشمل الجهاز الفني، حيث بدت العواطف جياشة وصادقة خلف الكواليس، وخلال لقاء تليفزيوني بين شوطي المباراة ضد فرنسا، حينما كانت إنجلترا متقدمة برباعية نظيفة، لم يتمكن المدرب المساعد أنتوني باري من حبس دموعه، معبرًا بصوت مرتجف عن فخره اللا محدود بهؤلاء الشباب الذين لعبوا بقلوب محطمة بعد صدمة الخروج من نصف النهائي، مؤكدًا أن رؤية اللاعبين في الفندق وهم يعانون نفسيًا، ثم خروجهم لتقديم هذا الأداء البطولي، يعكس الروح الفريدة والانتماء الحقيقي لقميص المنتخب، بغض النظر عن أصوات المتشائمين التي تعالت بعد فوات الأوان.
عقدة إنجلترا مع كبار القارة كرويًا
ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر الذي يواجه توماس توخيل في مسيرته المستمرة، حيث يبدو باقيًا في منصبه لقيادة الفريق في بطولة أمم أوروبا 2028 التي تستضيفها إنجلترا، هو فك عقدة العجز عن الفوز على دول النخبة الكروية في المواعيد الكبرى، وهي المعضلة التي تلاحق الإنجليز منذ انتصارهم الشهير على الأرجنتين في كأس العالم 2002.
وفي تعليقه على هذه الفجوة، يرى توخيل أن فريقه يمتلك القدرة على تضييق الخناق على الكبار مثل فرنسا التي توجت باللقب في 2018 ووصلت للنهائي في 2022، مؤكدًا أن الندبة التي تركتها مباراة الأرجنتين ستبقى لفترة طويلة، لكنها لن تهز ثقته بنفسه أو بثقة لاعبيه، معترفًا بأن قراره بالتراجع الدفاعي المبالغ فيه في الشوط الثاني ضد التانغو كان مؤلمًا ومثيرًا للندم.
أوراق رابحة مع منتخب إنجلترا
يبدو أن توخيل لا يزال يمتلك أوراقًا قوية للمستقبل، وعلى رأسها القائد التاريخي هاري كين، ورغم أن مهاجم بايرن ميونيخ سيبلغ السادسة والثلاثين من عمره بحلول المونديال القادم، ورغم بقائه على مقاعد البدلاء دون مشاركة أمام فرنسا، فإنه أظهر دعمًا مطلقًا للمدرب وللمجموعة، واصفًا الفريق الحالي بأنه أحد أفضل المجموعات التي شارك معها طوال مسيرته الدولية بفضل الروابط القوية داخل غرف الملابس، ملتمسًا العذر لتوخيل الذي يخوض بطولته الكبرى الأولى ويتعلم كيف يواجه الضغوط وسفر البطولات المجمعة؟.
أما الجرح الأكثر عمقًا الذي خلّفته هذه البطولة، وتمثل في انتصار حلو ومر أمام فرنسا، فهو التساؤل المثير للجدل حول أسباب استبعاد بوكايو ساكا من مواجهة الأرجنتين، جناح أرسنال المتألق، الذي غاب عن نصف النهائي، عاد لينفجر في وجه الفرنسيين بتسجيله ثلاثية تاريخية "هاتريك"، مؤكدًا بعد اللقاء جاهزيته البدنية الكاملة وتعافيه من الإصابات التي لحقت به في بداية المعسكر للبطولة، ووجه النجم الشاب رسالة مبطنة للمدرب بأنه يفضل الحديث عبر الأداء في الملعب، محولًا الإحباط إلى حافز قوي لإنهاء البطولة بقوة.
لقد فتح هذا التألق الهجومي لساكا وماركوس راشفورد باب الانتقادات الفنية من قِبل نجوم الكرة الإنجليزية السابقين، إذ يرى داني مورفي أن توخيل فشل تكتيكيًا وحرم إنجلترا من نهائي عالمي كان في المتناول بسبب غياب هؤلاء المبدعين عن موقعة الأرجنتين، واتفق معه المدافع السابق ستيفن وارنوك الذي أبدى صدمته من تراجع الفريق السريع ورفع المكابح الهجومية، مؤكدًا أن السرعة هي الكابوس الأسوأ لأي مدافع في العالم، واختتم مارتن كيون التحليل بالإشارة إلى أن الأرجنتين تنفست الصعداء يقينًا لغياب ساكا وراشفورد عن التشكيل الأساسي ضدها، لتبقى قصة إنجلترا في مونديال 2026 فصلًا مثيرًا ينتظر الأجزاء اللاحقة لمعرفة قيمته الحقيقية.











