شهدت القارة الأوروبية تحولًا دراماتيكيًا في طبيعة الكوارث البيئية التي تضربها، إذ اجتاحت حرائق هائلة وغير مسبوقة مناطق واسعة من جنوب غرب فرنسا وإسبانيا، مخلفة وراءها مشاهد تذكر بالدمار الشامل، النيران التي تشتعل اليوم لم تعد مجرد حرائق غابات تقليدية يمكن احتواؤها بالوسائل التقليدية، بل تحولت إلى ظواهر مناخية مرعبة تولد عواصف رعدية نارية وشديدة الاضطراب، تشبه في طاقتها وتدميرها القنابل الذرية، ما ينبئ بدخول أوروبا رسميًا حقبة جديدة ومظلمة من الحرائق الكبرى التي استعصت على السيطرة.
ظواهر نادرة تزعزع استقرار أوروبا
لم تعد المشاهد التي كانت تقتصر سابقًا على أستراليا أو الولايات المتحدة وكندا غريبة على الأراضي الأوروبية، فقد رُصدت في منطقة جيروند بالقرب من بوردو السحب النارية الركامية، وهي ظاهرة تتشكل عندما ترتفع أعمدة الحرارة الشديدة الناتجة عن الحريق لتلتقي بالهواء البارد في الطبقات العليا، فتتثكف وتتحول إلى عواصف رعدية ذاتية التغذية تُولد الرياح والبرق، وتزيد من ضراوة النيران بشكل لا يمكن التنبؤ به.
التحول الاستثنائي رافقه التهام النيران لأكثر من 116 ألف هكتار من الأراضي في فرنسا وحدها، في موسم يعتبر الأصعب والأقسى منذ الحرب العالمية الثانية، ما أجبر مئات الآلاف من السكان على الإخلاء في فرنسا وإسبانيا إثر امتداد النيران نحو المقاطعات الجبلية والمدن الرئيسية.
وهو ما أكده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الاثنين خلال زيارة إلى بوردو، قائلًا إن الوضع الذي نواجهه اليوم هو الأصعب على الإطلاق، ووصف الحرائق بأنها "غير مسبوقة على الإطلاق".
من جانبه، أوضح المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى أنه لا يستطيع حتى الآن الجزم بأن هذه أول سحابة ركامية نارية تتشكل في فرنسا، وقالت فرانشيسكا دي جوزيبي، منسقة التنبؤات بالحرائق في المركز : "مع ذلك، إذا تأكد ذلك، فإن تشكلها سيسلط الضوء على شدة الحريق الحالي الاستثنائية والظروف الجوية غير العادية التي يشتعل فيها"، أما في إسبانيا، قالت السلطات إن الحرائق مستعرة بالقرب من المدن الرئيسية، بما في ذلك حريق اجتاح مقاطعة أفيلا الجبلية، غرب العاصمة الإسبانية مدريد، وهو الآن أكبر حريق مسجل في تاريخ البلاد.
الضربة القاضية للغطاء النباتي بأوروبا
لا تكمن علة هذه الكوارث في العوامل الميدانية المباشرة فحسب، بل تمتد جذورها إلى الظواهر الجوية المتطرفة الناتجة عن التغير المناخي والاحتباس الحراري، فقد شهدت أوروبا الغربية شتاءً غزير الأمطار بشكل غير عادي، ما يحفز نموًا كثيفًا للغطاء النباتي.
ولكن سرعان ما انقلبت الأحوال الجوية رأسًا على عقب مع حلول الصيف، حيث ضربت موجات حر شديدة متتالية القارة وجفت الأراضي تمامًا، هذا التحول المفاجئ من الرطوبة العالية إلى الجفاف الشديد أدى إلى إحداث ما يُعرف بتأثير الارتداد المناخي، حيث تحولت تلك النباتات الكثيفة إلى وقود شديد الاشتعال ينتظر أدنى شرارة ليتحول إلى جحيم، مؤكدًا أن الاستمرار في حرق الوقود الأحفوري يرفع درجات الحرارة ويضمن تكرار هذه السيناريوهات الكارثية مستقبلًا.
سيناريوهات سوداوية لمستقبل أوروبا
من جانبه، قال غييرمو راين، أستاذ علوم الحرائق في إمبريال كوليدج لندن: "الأمر غير المألوف هو العدد الحالي لحرائق الغابات المدمرة، حرائق تنتشر بسرعة، وتُرهق فرق الإطفاء، وتُجبر المجتمعات على الإخلاء"، وقد تم إجلاء أكثر من 300 ألف شخص في البلدين حتى الآن.
وتداعيات هذه الحرائق لا تتوقف عند حدود إخماد ألسنة النيران، والتي أكد الخبراء أنها قد تستغرق شهورًا أو تنتظر هطول أمطار مستمرة، فالآثار المترتبة تفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة تتجاوز الخسائر البيئية، إذ يهدد الدخان الخانق والمحمل بالتلوث صحة ملايين البشر، متسببًا في آلاف الوفيات سنويًا على مستوى العالم.
كما أن الضرر الاقتصادي يطال قطاعات حيوية كالسياحة والزراعة والمراكز الاستراتيجية بالقرب من المدن الكبرى، والأهم من ذلك، أن هذه الحقبة الجديدة تفرض على المجتمعات الأوروبية التخلي عن الاعتقاد السائد بإمكانية منع هذه الحرائق تمامًا، والتهيؤ لمستقبل تصبح فيه الحرائق الهائلة جزءًا من واقع يومي يحمل تهديدًا مستمرًا للوجود والاستقرار البشري.














