تطرح النمذجة الحاسوبية المتطورة لسيناريوهات المناخ في ظل احتمالية تعرض الكوكب لظاهرة "النينيو العملاق" أسئلة مقلقة حول مستقبل الطقس العالمي، في ظل عالم يعاني بالفعل من الاحتباس الحراري الشديد والارتفاع القياسي للانبعاثات الكربونية.
ويحذر علماء المناخ من أن حدوث دورة فائقة القوة وممتدة من ظاهرة النينيو قد يدفع المنظومة البيئية بأكملها نحو نقطة اللارجوع، حيث لن تتوقف التداعيات عند مجرد مواسم مطرية مضطربة بل تمتد لتغيير الهندسة المناخية للأرض بشكل دائم.
وحيثما تتضافر العوامل البشرية مع التقلبات الفيزيائية للمحيط الهادئ، تنشأ مخاوف حقيقية من اختراق عتبات الأمان الدولية، مما يضع خطط التكيف العمراني للمدير الحديثة أمام اختبار قاس قد ينتهي بانهيار البنى التحتية وفشل سلال الغذاء العالمية.
محاكاة رقمية تتوقع نتائج "النينيو العملاق"
تبرز في هذا الشأن دراسة مناخية بارزة أعدها البروفيسور جونغ-سونغ كوغ من جامعة "سيول" الوطنية بكوريا الجنوبية بالتعاون مع فرق بحثية دولية، لتكشف عن إمكانية حدوث ما يُعرف بـ "انزياح النظم المناخية الهيكلية".
وتوضح الدراسة أن دورات النينيو فائقة القوة، والتي تتجاوز فيها درجات حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ انحرافًا بمقدار درجتين مئويتين فوق المعدلات السنوية، تمتلك القدرة على تثبيت الكوكب في حالة احترار دائم.
وفي مثل هذا السيناريو الكارثي، لن يتمكن المحيط من استعادة حالته الطبيعية المتعادلة بمجرد انتهاء الدورة الزمنية المعتادة، بل سيتجمد النظام الجوي في حالة استوائية مستدامة فائقة الحرارة والرطوبة.
مخاوف من جفاف غابات الأمازون وسقوط الأمن المائي العالمي
قد يقود هذا التثبيت الفيزيائي إلى تجفيف رطوبة التربة بشكل متكرر ومستمر عبر مواسم زراعية متلاحقة في مناطق حيوية تشمل جنوب آسيا، وأستراليا، والبرازيل.
ويؤدي هذا القحط المستدام إلى انهيار بيئي شامل للأحزمة الغابية العظمى، وعلى رأسها غابات الأمازون التي تمثل رئة الكوكب، مما يحولها تدريجيًا من مصدات للكربون إلى مصادر انبعاثات حرارية ضخمة تسرع من الفناء البيئي وسقوط الأمن المائي العالمي بشكل دائم.
ولا تتوقف التحذيرات عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل الاختراق الدائم لعتبات الحرارة التي وضعتها الاتفاقيات الدولية كخطوط حمراء لحماية البشرية.
ويشير عالم الأرصاد البارز بجامعة كولومبيا، البروفيسور ريتشارد سيجر، أن تزامن نينيو فائق القوة مع التغير المناخي البشري المستمر سيعني تخطيًا حاسمًا لعتبات الأمان الحيوية.
وتظهر النمذجة الرياضية التي استند إليها مارك أليسي، الباحث المناخي باتحاد العلماء المعنيين بالولايات المتحدة، وجود فرصة غير صفرية مرعبة لتخطي التطرف الحراري بمقدار يتجاوز درجتين مئويتين للمرة الأولى في التاريخ البشري خلال النينيو الفائق القادم.
وتؤكد المؤشرات أن هذا السيناريو سيتسبب في تداعي خطط التكيف العمراني للمدن الحديثة، مما يسفر عن موجات حر ورطوبة قاتلة لا يمكن تحملها في العديد من العواصم الكبرى، بالتزامن مع حرائق غابات تلتهم مخازن الحبوب العالمية في نصفي الكرة الأرضية.
النينيو قد تتسبب بولادة أعاصير طوفانية
تتكامل هذه السلسلة من التوقعات السوداوية مع تحذيرات أطلقها عالم الأرصاد في جامعة ولاية كولورادو، الدكتور فيليب كلوتزباخ، حول تأثير هذا الاحترار الهائل على حركة الرياح العلوية في المحيطات.
وحيث يوضح كلوتزباخ أن السيناريو المتطرف لظاهرة النينيو سيعمل على إلغاء "قص الرياح" في حوض المحيط الأطلسي تدريجيًا، فإن الكوكب سيفقد بذلك الكابح الطبيعي والدرع الفيزيائي الذي كان يفتت العواصف الناشئة ويمنع تضخمها.
ونتيجة لغياب هذا الكابح، ستشهد الشواطئ العالمية ولادة أعاصير أطلسية فائقة القوة ومدمرة تفوق الفئة الخامسة، لتجتاح المدن الساحلية وتحدث دمارًا اقتصاديًا تريليونيًا يفوق قدرة الحكومات على إعادة الإعمار.
ومع استمرار تراكم الطاقة الحرارية المفرغة من المحيط في غلاف جوي متخم بالكربون، تصبح معركة استشراف هذه السيناريوهات مسألة حياة أو موت للمجتمعات الإنسانية.
وتفرض العتبات المناخية الحرجة التي يهدد النينيو بكسرها تحديًا غير مسبوق للعلماء، إذ إن الدخول في عصر الانزياح الهيكلي المستدام يعني أن الخرائط المناخية التي ألفها البشر على مدى آلاف السنين ستصبح لاغية.
ويستدعي هذا التحول الجذري بناء إستراتيجيات طوارئ دولية عابرة للقارات، لا تستهدف فقط التنبؤ بالطقس لشهور قادمة، بل تسعى جاهدة لحماية النظم الحيوية وسلال الغذاء من الانهيار التام تحت وطأة تطرف المناخ.














