تطرح الفرضيات البديلة في الأوساط السياسية اليوم تساؤلاً جوهرياً حول المسارات التي كان سيتخذها الشرق الأوسط لولا التدخل العسكري الأمريكي الأخير ضد البرنامج النووي الإيراني.
ويرى مراقبون أن عدم تحرك إدارة الرئيس دونالد ترامب كان سيفضي إلى سيناريو كابوسي؛ إذ كانت طهران ستعبر العتبة النووية، فقد كانت تمتلك ما يقرب من ألف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% في منتصف 2025، وهي نسبة قريبة جداً من درجة إنتاج الأسلحة، حيث قالت الاستخبارات الأمريكية إن الإيرانيين يمكنهم الحصول على وقود للقنبلة في أقل من أسبوع.
سباق التسلح النووي بالشرق الأوسط
الأمر الذي كان سيطلق شرارة سباق تسلح إقليمي يمتد من الرياض إلى أنقرة ويحول المنطقة إلى ساحة صراع نووي مفتوحة تفتقر إلى آليات الاحتواء، وفقا لصحيفة تليجراف.
هذا الخطر الذي كان سيعصف بدول الخليج جعلها أمام خيار وجودي بسيط ومرعب في آن واحد: إما الانصياع للهيمنة الإيرانية أو بناء قنابلها الخاصة؛ وهو المسار الذي أكدت المملكة السعودية صراحة أنها ستسلكه إذا امتلكت طهران السلاح.
إلا أن التدخل العسكري الأخير وأد مشروع التتابع النووي الإقليمي وحال دون انهيار نظام حظر الانتشار العالمي، مانعاً بذلك تحول الخليج إلى ساحة لسباق تسلح نووي مفتوح.
ولم يكن هذا التحرك مجرد رد فعل، بل محاولة لكسر "درع الوكلاء" الذي نسجته طهران بصبر استثنائي على مدار عقدين لجعل تكلفة أي مواجهة معها انتحاراً سياسياً.
إلا أن واقعة اللجوء إلى القوة الصلبة وإنهاء الاتفاقات السابقة أثبتت حقيقة استراتيجية كبرى؛ وهي أن نفوذ إيران الإقليمي لم يكن نابعاً من قدراتها الذاتية بقدر ما كان ثمرةً التردد الغربي لسنوات، حيث تبددت أسطورة "البعبع" الذي لا يقهر بمجرد مواجهته بإرادة عسكرية حازمة.
وبالتوازي مع هذا الانكسار، تجاوزت "اتفاقيات إبراهيم" إطارها الدبلوماسي التقليدي لتكشف عن جوهرها كحلف أمني دفاعي نجح في استباق الأزمة، مشكلاً بذلك جبهة موحدة تعد الأقوى في تاريخ المنطقة الحديث لمواجهة التهديدات المشتركة وإعادة صياغة توازنات القوى.
مع ذلك، فإن لغة الرصاص والبارود ليست سوى الفصل الأول من الرواية، إذ كشفت تقارير حديثة ما وراء الكواليس في واشنطن، حيث لا يكتفي الرئيس الأمريكي بانتصار عسكري عابر، بل يضع قائمة مطالب وصفت بأنها "زلزال سياسي"، تتجاوز تفكيك الطاردات المركزية لتشمل إنهاءً كاملاً للنفوذ الإيراني العابر للحدود وتأمين الممرات المائية الحيوية في هرمز وباب المندب، لضمان أمن الطاقة العالمي الذي يعتمد عليه استقرار الخليج والعالم.
وهو ما يضع النظام في طهران أمام خيارين: إما الانصياع الكامل لشروط اتفاق ترامب الكبير أو مواجهة انهيار داخلي تحت وطأة العزلة والضربات المستمرة، ويعكس هذا الإصرار الأمريكي عقلية لا تقبل بأنصاف الحلول، وترى في اللحظة الراهنة فرصة تاريخية لفرض نظام إقليمي جديد تقوده "اتفاقيات إبراهيم".
كما يضع هذا المشهد المعقد الحكومات الأوروبية في مأزق أخلاقي وسياسي؛ فبينما يخشى القادة في لندن وباريس من تبعات هذه الصرامة على أمنهم الداخلي والجاليات المسلمة الضخمة لديهم، يثبت الواقع الميداني أن الدبلوماسية الناعمة لم تفعل شيئاً سوى شراء الوقت لإيران لتخصيب اليورانيوم وتطوير الطائرات المسيرة.
إن التردد الذي وصمه البعض بـ "الجبن السياسي" في التعامل مع كيانات مثل الحرس الثوري، يتصادم الآن مع واقع يفرضه ترامب بقوة السلاح وفرض الشروط، لذا عند تقييم هذا الصراع المستمر، لا ينبغي حصر النظر في تفاصيل العمل العسكري فحسب، بل في الكارثة التي كان سيخلفها التقاعس وأثره على أمن الطاقة والتجارة وسلامة الشعوب لو لم يحدث التدخل.













