توفي ملك النرويج هارالد الخامس يوم الجمعة عن عمر يناهز 89 عامًا، ليطوي بوفاته رحلة حافلة بالتحولات امتدت لأكثر من 3 عقود على العرش، خاض خلالها الملك الراحل مسيرة دؤوبة لتحديث المؤسسة الملكية وتقريبها من نبض الشارع النرويجي.
وأعلن القصر الملكي في أوسلو أن ملك النرويج وافته المنية بسلام في مستشفى جامعة أوسلو في تمام الساعة السابعة و35 دقيقة صباحًا بالتوقيت المحلي، مخلفًا وراءه إرثًا كبيرًا من العطاء الشعبي في وقت تمر فيه العائلة المالكة النرويجية بظروف وأزمات معقدة.
إرث ملك النرويج من التحديث والتعاطف الشعبي
اتسمت فترة حكم ملك النرويج، الذي اعتلى العرش عام 1991 خلفًا لوالده الملك أولاف، بإدخال لمسات حديثة شجاعة أخرجت المؤسسة الملكية من طابعها التقليدي إلى العصر الحديث.
واستطاع الراحل، وهو من أحفاد الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا، أن يلعب دورًا محوريًا في تضميد جراح الأمة خلال الأوقات العصيبة؛ إذ يذكر له النرويجيون موقفه المؤثر عام 2011 عقب الهجوم الإرهابي الذي شنه المتطرف أندرس بريفيك وأسفر عن مقتل 77 شخصًا، حين وجه خطابًا متلفزًا هز المشاعر وأكد فيه أن "الحرية أشد قوة من الخوف".
ولم يكتف ملك النرويج بالخطابات الرسمية، بل حرص ميدانيًا على التواجد بين مواطنيه أثناء الكوارث الطبيعية كالفيضانات والعواصف، مرتديًا أحذيته المطاطية ليعزي من فقدوا منازلهم أو أحباءهم.
ورسخ الراحل في سنواته الأخيرة مفاهيم التسامح والانفتاح عبر خطابات تاريخية دعت إلى قبول الآخر باختلاف خلفياته واعتقاداته، مؤكدًا في تصريحات صحفية سابقة أن فتح أبواب الملكية للشعب خطوة لا يمكن التراجع عنها، وهو الأسلوب الذي عزز محبته الاستثنائية لدى المواطنين حتى أسابيعه الأخيرة.
محطات تاريخية في مسيرة ملك النرويج
شهدت حياة ملك النرويج محطات نضالية وإنسانية لافتة منذ ولادته عام 1937 كأول أمير يولد على الأراضي النرويجية منذ نحو 570 عامًا.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية واجتياح القوات النازية للبلاد، عاش الطفل هارالد تجربة اللجوء والتنقل بين السويد والولايات المتحدة حيث حظي برعاية رئيسها فرانكلين روزفلت، قبل أن يعود إلى بلاده بعد الانتهاء من الحرب ليلتحق بالمدارس الحكومية كسرًا للتقاليد التي كانت تفرض التعليم الخاص.
وفي عام 1968، خاض مواجهة إصرار دامت 9 سنوات مع والده للزواج من عامة الشعب سونيا هارالدسن، مهددًا بالبقاء دون زواج إن لم يرتبط بحب حياته.
وتأتي وفاة ملك النرويج في وقت تتولى فيه القيادة الجديدة التاج وسط تحديات متزايدة؛ إذ يتأهب نجل الراحل، الأمير هاكون البالغ من العمر 53 عامًا، ليكون رابع ملك للنرويج منذ استقلالها عام 1905، ليتولى المسؤولية برفقة زوجته الأميرة ميت ماريت.
وسيكون على العهد الجديد مواجهة تبعات الضغوط الجماهيرية الأخيرة والاستطلاعات التي شهدت تراجعًا في نسبة دعم الملكية، مستندين إلى الإرث المتين الذي تركه الملك الراحل في إدارة الأزمات والتقرب من تطلعات المجتمع.












