كشف تقرير استقصائي موسع أجرته وكالة "رويترز" عن أرقام صادمة تعكس تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية داخل مراكز احتجاز المهاجرين بالولايات المتحدة الأمريكية.
وأظهرت البيانات الرسمية تضاعف معدلات الوفيات بأكثر من المرتين منذ بدء تطبيق حملات الترحيل الجماعي الصارمة التي أطلقتها إدارة ترامب في يناير 2025.
وتأتي هذه المؤشرات لتسلط ضوءًا قسيًا على طبيعة الرعاية الطبية ومستويات الإشراف الأمني داخل منشآت التوقيف الفيدرالي، والتي باتت تعاني من تكدس بشري هائل وضغوط تشغيلية غير مسبوقة.
وفيات داخل مراكز احتجاز المهاجرين
ورصد التحليل الاستقصائي وفاة 50 شخصًا على الأقل داخل مراكز احتجاز المهاجرين التابعة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية.
ولتوضيح حجم الطفرة المخيفة بالملف، يُظهر تحليل البيانات الممتدة بين عامي 2009 و2024 أن المنشآت الأمريكية كانت تسجل حالة وفاة سنوية واحدة لكل 3,848 محتجزًا؛ غير أن هذا المعدل قفز بشكل مرعب في العهد الحالي ليصل إلى حالة وفاة واحدة لكل 1,630 شخصًا، استنادًا إلى المعطيات الأولية المعالجة بواسطة معهد "فيرا للعدالة" (Vera Institute of Justice) بموجب قانون حرية المعلومات.
ويرى خبراء في شؤون الرعاية الصحية والوقائية أن هذا التصاعد الحاد يرتبط مباشرة بارتفاع أعداد الموقوفين؛ إذ قفزت الأعداد من 40 ألف محتجز إبان نهاية عهد إدارة بايدن لتصل إلى ذروتها بنحو 70 ألفًا في يناير الماضي، قبل أن تستقر عند 57 ألفًا في يونيو الجاري.
وتكمن المشكلة الكبرى في أن لغة التوجيهات الرئاسية الحالية ألغت المعايير الإنسانية السابقة التي كانت تراعي الحالات الطبية الحرجة، أو كبار السن، أو المصابين بأمراض عقلية، مما تسبب في زج أشخاص يعانون من ضعف وهشاشة بدنية بالغة خلف جدران سجون وتوقيفات غير مؤهلة طبيًا لإدارة الأمراض المزمنة.
تساؤلات حول سرعة الاستجابة للطوارئ
تشير السجلات الموثقة إلى أن 21 حالة وفاة من بين الـ 50 المكتشفة جرت بعد أن كان الموقوف قد فارق الحياة بالفعل أو دخل في حالة فقدان تام للاستجابة داخل زنزانته، ومن بينها 10 حالات انتحار مأساوية.
ويعكس هذا المشهد نقصًا فادحًا في المتابعة الدورية للصحة النفسية والبدنية، وتأخرًا غير مبرر في تقديم الإسعافات الأولية للمحتجزين.
وتتجسد هذه المعاناة في قصة المهاجر الفيتنامي "توان فان بوي" (55 عامًا) الذي انهار في زنزانته بمركز احتجاز مقاطعة ميامي؛ حيث أكد شهود عيان من الموقوفين أنهم صرخوا طلبًا للمساعدة، واستغرق وصول الحارس 15 دقيقة.
بينما وصل الطاقم الطبي بعد 10 دقائق أخرى، مما أدى لوفاته برغم أن المعايير الفيدرالية تلزم ألا يتجاوز وقت الاستجابة للطوارئ 4 دقائق فقط.
وتكرر المشهد مع المهاجر الصيني "تشاوفينغ غي" (32 عامًا) الذي عُثر عليه مشنوقًا في كابينة الاستحمام بمركز "وادي موشانون" في بنسلفانيا، برغم وجود تحذيرات طبية سابقة من سجن محلي تؤكد وجوب وضعه تحت المراقبة اللصيقة لرصد الميول الانتحارية، وهو ما تم تجاهله كليًا ووضعه في زنزانة عامة.
تعتيم على البيانات وسخط العائلات
وتواجه وزارة الأمن الداخلي (DHS) انتقادات لاذعة بسبب الافتقار للتفاصيل الحاسمة في تقارير الوفيات الصادرة عنها مؤخرًا؛ حيث تتعمد إغفال التاريخ الطبي، والأدوية الموصوفة، وسجلات التدخل الطارئ.
وبرز ذلك في حالة المهاجر الهندوراسي "سانتوس رييس" الذي توفي نتيجة أعراض انسحاب كحولي حاد دون نقله للمستشفى.
وتكرر الأمر مع "محمد ناذر باكتياوال" (41 عامًا)، الجندي السابق في القوات الخاصة الأفغانية الذي تم إجلاؤه بواسطة الجيش الأمريكي عام 2021، والذي اعتقلته الوكالة بموجب "قانون ليكن رايلي" الصارم بتهمة سرقة مواد غذائية، وتوفي بالمستشفى بعد تورم لسانه وضيق تنفسه، في حين تصر عائلته على المطالبة بإجابات واضحة حول أسباب الوفاة المفاجئة.
وفي المقابل، تكتفي وزارة الأمن الداخلي بنشر بيانات صحفية تركز على السجل الجنائي للمتوفين لتبرير احتجازهم، مع الاكتفاء بعبارات عامة تؤكد الالتزام ببيئة آمنة وإنسانية.
ومع انخفاض نسب تأييد الرئيس ترامب إلى 36% هذا الشهر وفقًا لاستطلاعات "رويترز/إبسوس"، يرى حقوقيون ومحللون أن الإصرار على التوسع في إدارة وتشغيل مراكز احتجاز المهاجرين عبر شركات خاصة دون فرض رقابة طبية مستقلة وصارمة، سيسهم في زيادة معدلات الوفيات التي يمكن الوقاية منها، مما يضع نزاهة النظام القانوني والقيم الإنسانية للولايات المتحدة في مواجهة اختبار أخلاقي ودولي عسير.














