"أنا مستعد لبيع بناتي"، بهذه الكلمات بدأ عبد الرشيد عظيمي حديثه، وهو يحتضن ابنتيه التوأم رقية ورحيلة، البالغتين سبع سنوات، داخل منزله المتواضع في ولاية الغور غرب أفغانستان.
الرجل الذي أثقلته الديون يقول إنه لم يعد يرى خيارًا آخر، ويروي وهو يبكي: "أعود إلى البيت عطشانًا وجائعًا ومرهقًا، ثم يطلب أطفالي الخبز، لكن ماذا سأعطيهم؟ لا يوجد عمل".
ثم يحتضن رحيلة ويقبّلها، وهو يعلم أنه سيجمعهما بيت واحد لسنوات معدودة، قائلاً: "هذا يكسر قلبي، لكنها الطريقة الوحيدة لإطعام أطفالي الآخرين".
داخل المنزل نفسه، تقول والدتهما كيهان "لا نملك سوى الخبز والماء الساخن، ولا نستطيع توفير الشاي"، اثنان من أبنائها المراهقين يعملان في تلميع الأحذية، بينما يجمع ابن آخر القمامة لتستخدمها الأسرة وقودًا للطهي.
الخيارات محدودة أمام الأباء الأفغان
بينما اضطر سعيد أحمد إلى بيع ابنته شائقة، البالغة خمس سنوات، بعدما أصيبت بالتهاب الزائدة الدودية وكيس في الكبد، قال: "بعت ابنتي لأحد الأقارب؛ لأنه لم يكن لدي المال لدفع تكاليف العملية الجراحية".
عملية شائقة الجراحية نجحت بفضل مبلغ 200 ألف أفغاني، أي نحو 3200 دولار أمريكي، وهو المبلغ الذي اتفق عليه مقابل الطفلة.
ويقول سعيد شارحًا الاتفاق: "لو تسلمت المبلغ كاملًا وقتها، لأخذها معه مباشرةً؛ لذلك طلبت منه أن يعطيني فقط تكلفة العلاج، ثم يدفع الباقي خلال خمس سنوات، وبعدها تنتقل إليه".
احتضنت شائقة والدها خلال الحديث، بينما بدا الارتباط العاطفي بينهما واضحًا، لكن بعد 5 سنوات، سيكون عليها مغادرة بيت عائلتها والانتقال إلى منزل قريبها.
ويقول سعيد: "لو كنت أملك المال، لما اضطررت إلى هذا القرار، لكنني سألت نفسي: ماذا لو ماتت من دون العملية؟ على الأقل بهذه الطريقة ستعيش".
هذه القصص تأتي في وقت تواجه فيه أفغانستان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي".
أكثر المناطق تضررًا من خطر المجاعة
وبحسب الأمم المتحدة، فإن ثلاثة من كل أربعة أفغان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، فيما يواجه نحو 4.7 مليون شخص خطر المجاعة، وتعد ولاية الغور من أكثر المناطق تضررًا، وفي مدينة جغجران، يتجمع مئات الرجال يوميًا بحثًا عن أي فرصة عمل.
ويقول جمعة خان، 45 عامًا، إنه لم يعمل سوى ثلاثة أيام خلال الأسابيع الستة الماضية، مقابل أجر يومي يتراوح بين 150 و200 أفغاني، قائلًا: "نام أطفالي جائعين ثلاث ليالٍ متواصلة... أنا خائف أن يموتوا جوعًا".
ويضيف رباني: "تلقيت اتصالًا يقول إن أطفالي لم يأكلوا منذ يومين، لذلك جئت أبحث عن عمل"، بينما في القرى المحيطة، تتفاقم الأزمة بفعل الجفاف وتراجع المساعدات الإنسانية. وكانت الولايات المتحدة، أكبر مانح سابق لأفغانستان، قد أوقفت تقريبًا جميع مساعداتها العام الماضي، كما خفّضت دول أخرى، بينها المملكة المتحدة، مساهماتها.
من جهتها، تلقي حركة طالبان باللوم على الحكومة السابقة وتداعيات انسحاب القوات الأجنبية عام 2021، ويقول حمد الله فطرت، نائب المتحدث باسم الحكومة: "ورثنا الفقر والمشقة والبطالة وغيرها من المشكلات".
ولادة متعسرة تنذر بحياة أصعب
وتبدو آثار الأزمة أكثر قوة، حيث أن وحدة حديثي الولادة في المستشفى الإقليمي بمدينة جغجران، مكتظة بالكامل، ومعظم الأطفال يعانون من سوء التغذية ومشكلات في التنفس.
وبدورها تقول الممرضة فاطمة حسيني إن هناك أيامًا يموت فيها ثلاثة أطفال داخل المستشفى، مضيفةً: "في البداية كان الأمر صعبًا للغاية، لكننا اعتدنا عليه تقريبًا الآن".
أما الدكتور محمد موسى عُلدات، مدير وحدة حديثي الولادة، فيقول إن معدل الوفيات وصل إلى 10%، مضيفًا: ""يتزايد عدد المرضى يومًا بعد يوم بسبب الفقر، لكن الإمكانات المتاحة لعلاجهم محدودة"، وتدفع التكاليف الزائدة العائلات الأفغانية إلى إخراج أطفالها من المستشفى، لتبدأ معركة أخرى من أجل البقاء خارج جدران المستشفى.














