يبحث العلماء فيما إذا كان مفتاح الشيخوخة الصحية يكمن في الميكروبات المعوية أو ما يُعرف علميًا بالميكروبيوم المعوي، إذ تشير النتائج الأولية إلى أنها قد تؤثر على كل شيء بدءًا من الالتهابات وصولًا إلى متوسط العمر، مما يفتح آفاقًا جديدة للعلاجات المستقبلية.
كان الناس قديمًا يبحثون عن ينبوع الشباب الذي يؤخر الشيخوخة، ورغم تلاشي تلك الفكرة إلا أن بعض العلماء يسعون إلى تحقيقها من خلال دراسة ما إذا كانت الميكروبات الموجودة في الأمعاء تُساعد في تفسير الشيخوخة الصحية.
وتشير أحدث الأبحاث العلمية إلى أن ميكروبيوم الأمعاء وهو نظام بيئي معقد يضم تريليونات الميكروبات والفطريات والفيروسات التي تتشكل بفعل العديد من العوامل، بينها: الوراثة والنظام الغذائي والتي تعيش في الجهاز الهضمي للإنسان والتي قد تكون هي المفتاح الحقيقي للشيخوخة الصحية وطول العمر.
صحتك من صحة ميكروباتك
يرى العلماء أننا البشر ليسوا بأعمارهم التي يحسبونها بالسنين عندما تظهر علامات الشيخوخة المعتادة كالتجاعيد وشيب الشعر، بل بحالة الميكروبات التي تسكن أمعاءهم، إذ تُحدث تغيرات مجهرية أكثر عمقًا في الداخل، فتميل تنوع هذه البكتيريا إلى الانخفاض مع تقدم السن، مقارنة بغيرها المرتبطة بالالتهابات التي تزداد حينها.
فنجد أن كبار السن والمعمرين الذين يتمتعون بصحة جيدة؛ أمعاءهم تحتوي على ميكروبات تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة لدى الشباب، نتيجة الحفاظ على ميكروبيوم معوي شاب يعزز الشيخوخة الصحية وطول العمر.
إعادة تغيير ساعة العمر
وللتأكد من تأثير ميكروبات الشباب على الشيخوخة، يستخدم العلماء تقنية تُسمى زرع الميكروبات البرازية، والتي تتضمن استئصال الميكروبيوم المعوي الحالي للشخص واستبداله بميكروبات مُستخلصة من براز متبرع.
ويساهم زرع الميكروبات من فأر صغير إلى آخر مسن في حماية الأخير من تلف الكبد والوقاية من السرطان؛ لأنها تُغير عملية الأيض بطرق تُقلل الالتهاب الذي يُسرع الشيخوخة.
كيف تبطل مفعول الشيخوخة؟
من المتعارف عليه أن ممارسة الرياضة بانتظام تقاوم الشيخوخة، إذ أظهرت إحدى الدراسات أنه عندما خضع أشخاص تتراوح أعمارهم بين 50 إلى 75 عامًا لتمارين القلب والأوعية الدموية وتمارين المقاومة لمدة 24 أسبوعًا؛ ازدادت نسبة البكتيريا الصحية في ميكروبيومهم، وارتفعت مستويات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة المفيدة للشيخوخة في دمائهم.
كذلك النظام الغذائي الصحي يؤثر بشكل واضح على ميكروبيوم الأمعاء، فالنظام الغذائي الأمريكي التقليدي المتضمن الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون والملح والذي يفتقر العناصر الغذائية والألياف؛ يفقد تنوع الميكروبيوم في غضون أيام .
ويُعد نقص الألياف سببًا رئيسيًا في تكوين الميكروبيوم المرتبط بالشيخوخة، إذ أجريت دراسات على الديدان الأسطوانية والفئران والجرذان أن مكملات الألياف تُحسّن الصحة العامة وتُطيل العمر بنسبة تتراوح بين 20% و35%، وهو ما يتوافق مع دراسة أخرى أُجريت عام 2025 بأن زيادة كمية الألياف في النظام الغذائي ترتبط بزيادة احتمالية التمتع بشيخوخة صحية لدى النساء بنسبة تصل إلى 37%.
وتعمل الألياف الطبيعية على تحسين وظائف التمثيل الغذائي والدماغ والمناعة، مع تقليل الالتهابات المزمنة والتي تتواجد في معظم الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور والزبادي.
محفزات للميكروبيوم
يُعد إجراء تغييرات صحية في نمط الحياة وسيلة غير جراحية لتعزيز صحة الميكروبيوم المعوي، مما قد يُبطئ عملية الشيخوخة، كما يبحث العلماء عن علاجات لتخصيص الميكروبيوم المعوي لتحقيق نتائج صحية أفضل.
قد يكون أحد الخيارات هو ما يُعرف بالبروبيوتيك، وهي مركبات غير حية ولكنها نشطة تنتجها الميكروبات البروبيوتيكية.
على سبيل المثال، وجدت دراسات أُجريت على الفئران أن مكملات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة يمكن أن تُحسّن مشاكل القلب والرئة المرتبطة بالتقدم في السن، وبالمثل، لوحظ انخفاض في الخلل الأيضي والالتهاب لدى الفئران المسنة التي أُعطيت بكتيريا مُعطّلة حراريًا من رضيع بشري، بالإضافة إلى تحسّن في الوظائف الإدراكية.














