يبدو أن أروقة المحاكم لم تعد الساحة المفضلة لأغنى رجل في العالم، حيث نجد إيلون ماسك، الذي اعتاد على تصدر المشهد بانتصاراته التقنية، يواجه مؤخرًا سلسلة من الإخفاقات القانونية، كان آخرها يوم الإثنين، حين خسر دعواته القضائية البارزة ضد شركة "أوبن إيه آي" (Open AI) ومؤسسها المشارك، صديق الأمس ومنافس اليوم، سام ألتمان.
هذه الخسارة ليست الأولى، بل هي حلقة جديدة في مسلسل الهزائم القانونية والتسويات التي تلاحق ماسك، فهل تجبره هذه الضربات المتتالية على التراجع، أم أن الملياردير المثير للجدل سيواصل القتال على طريقته المعتادة؟
إيلون ماسك يتلقّى ضربة وراء الأخرى
انسحب "ماسك" من مجلس إدارة "أوبن إيه آي" في 2018 بعد خلافات مع "ألتمان"، وذلك بعد عام من محاولة فاشلة للحصول على نفوذ أكبر داخل الشركة.
ورفضت محكمة أمريكية دعاوى قدّمها ضد شركة "أوبن إيه آي" وكبار مسؤوليها التنفيذيين، متهما إياهم بخيانة رؤية مشتركة تقضي بأن تبقى المؤسسة غير ربحية ومكرسة لتوجيه تطوير الذكاء الاصطناعي بما يخدم البشرية.
خلال الأشهر الماضية، تكبد "ماسك" خسائر قانونية متعددة، إذ أُجبر على التسوية مع كبار المسؤولين التنفيذيين السابقين وآلاف الموظفين في منصة "إكس" "تويتر" سابقًا، بعد معركة طويلة حاول فيها التنصّل من دفع مستحقاتهم عبر القضاء.
بالعودة إلى مارس الماضي، خسر قضية رفعها مستثمرو "تويتر" الذين اتهموه فيها بتضليلهم بتصريحاته خلال فترة الاستحواذ، وفي نفس الشهر، رفض قاضٍ دعواه ضد المعلنين الذين قاطعوا المنصة.
وفي مايو، ألغى قاضٍ آخر إجراءات اتخذتها "إدارة خفض التكاليف الحكومية" التي ساهم "ماسك" في تأسيسها، معتبرًا أن تخفيضات بعض المنح كانت بمثابة "تمييز غير دستوري".
ورغم هذا السجل غير المبشر، يرى قانونيون أن تراجع "ماسك" ليس بالخيار المطروح، وفي هذا الشأن، تقول "شوبها غوش"، أستاذة القانون في جامعة سيراكيوز: "لا أحد منيع، وماسك في النهاية رجل أعمال يطالب بحقوقه، ولا أراه يسيء استخدام النظام القانوني، لكن مدى فعاليته في ذلك هو محل الشك".
غرامات بحجم "الفكّة" وثروة لا تفنى
السر وراء استمرار "ماسك" في هذا النهج الهجومي يكمن في ثروته الأسطورية، فمع اقتراب طرح أسهم شركة "سبيس أكس"، يقترب ماسك من أن يصبح أول "تريليونير" في العالم.
هذا الحجم الفلكي من الثروة يجعل الغرامات القانونية تبدو وكأنها "فكة" لا تستحق العناء.
على سبيل المثال، الغرامة التي فرضتها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) عليه بقيمة 1.5 مليون دولار، لا تمثل أي عبء مالي لشخص بحجمه. وتؤكد "دوروثي لوند" أستاذة القانون بجامعة كولومبيا هذا المعنى قائلة: "لا أراه يتوقف.. يبدو أنه لا يوجد من هو قادر على فرض عواقب حقيقية عليه. إنه يفعل ما يحلو له، وفي أسوأ الأحوال يتلقى توبيخاً بسيطاً، فلماذا يتغير؟".
وحين ألغى قاضٍ حزمة رواتبه المليارية في "تسلا" أواخر 2024، لم يكترث ماسك، بل قام ببساطة بنقل التأسيس القانوني للشركة إلى ولاية تكساس، ليحصل على حزمة رواتب أكبر وافق عليها المساهمون.
شخصية لا تعترف بالصمت
يتمتع ماسك بجرأة تضعه في خانة منفردة؛ ففي الوقت الذي يستعد فيه لطرح "سبيس إكس"، قرر خوض محاكمة علنية ضد "سام ألتمان"، متجاهلاً ما يُعرف بـ "فترة الصمت" التي تفرضها هيئة الأوراق المالية على رؤساء الشركات قبل الطرح لتجنب التصريحات المؤثرة.
هذه "الوقاحة" التجارية، كما يصفها البعض، تتجاوز حتى كبار وول ستريت الشرسين مثل "كارل إيكان". وترى "لوند" أن "ماسك" لا يخشى الرأي العام ولا يخاف المخاطر الكبيرة، وهي ميزة عظيمة لرواد الأعمال.
الشخصية الوحيدة التي يقارن بها الخبراء أسلوب ماسك هي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ فكلاهما يميل للتصريحات الارتجالية، ويشن هجمات قانونية على الخصوم، والأهم من ذلك: "الانتقادات لا تلتصق بأي منهما".
وحتى بعد خسارته الأخيرة، لم يفوت ماسك الفرصة لإثارة الجدل، حيث غرّد يوم الإثنين منتقدًا قرار المحكمة في قضية Open AI، ساخرًا بأن الحكم منح "رخصة مجانية لنهب الجمعيات الخيرية، بشرط أن تبقي النهب سرُا لبضع سنوات".











