تشهد الخريطة الجيوسياسية لمنطقة القطب الشمالي تحولاً جذرياً غير مسبوق، حيث تسعى كندا بشكل حثيث إلى إعادة صياغة استراتيجيتها الدفاعية عبر تعزيز تحالفاتها الأمنية مع دول الشمال الأوروبي، وجاء هذا التحول الاستراتيجي مدفوعاً بوضوح بوابل التهديدات والتصريحات المتقلبة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما أفكاره السابقة المتعلقة بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند، مما دفع العواصم الشمالية إلى البحث عن حلفاء أكثر موثوقية لمواجهة الأطماع المتزايدة والتهديدات الروسية والصينية في المنطقة المتجمدة.
غرينلاند تبحث عن نموذج كندي
وتسعى سلطات غرينلاند، بالتعاون مع الدنمارك، إلى الاستفادة من تجربة قوات “رينجرز” الكندية، وهي وحدة احتياطية تنتشر في المجتمعات الشمالية النائية وتؤدي أدواراً تتعلق بالمراقبة والحضور السيادي.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، جرت مشاورات بين مسؤولين كنديين ونظرائهم في غرينلاند والدنمارك لإنشاء قوة مشابهة، لكن هذه الجهود تسارعت مؤخراً مع تصاعد المخاوف من التهديدات الروسية والتصريحات الأمريكية المتعلقة بالجزيرة.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس رغبة متزايدة لدى دول الشمال في بناء منظومة أمنية أكثر استقلالية، قادرة على حماية مصالحها في المنطقة دون الاعتماد الكلي على واشنطن.
كارني يدفع نحو تحالف “القوى المتوسطة”
يقود رئيس الوزراء الكندي مارك كارني توجهاً جديداً يهدف إلى توسيع التعاون الدفاعي والاستخباراتي مع الدول الإسكندنافية، في إطار رؤية تقوم على تعزيز دور “القوى المتوسطة” في النظام العالمي.
وتعتبر الحكومة الكندية أن دول الشمال الأوروبي تمثل شركاء موثوقين في ملفات الأمن والدفاع، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالقطب الشمالي والهجمات الإلكترونية والتمدد الروسي.
وفي مارس الماضي، اتفقت كندا مع الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد على تعزيز التعاون في مجالات المشتريات العسكرية والإنتاج الدفاعي، بما يرفع جاهزية المنطقة لمواجهة التهديدات المستقبلية.
القطب الشمالي يتحول إلى ساحة تنافس دولي
يشهد القطب الشمالي تحولات متسارعة مع ذوبان الجليد وتزايد سهولة الوصول إلى موارده الطبيعية ومساراته البحرية، ما جعله محور تنافس متنامٍ بين القوى الكبرى، وتملك روسيا أكبر حضور عسكري في المنطقة مقارنة ببقية الدول القطبية، بينما تعمل الصين خلال السنوات الأخيرة على توسيع وجودها الاقتصادي والاستراتيجي بالتعاون مع موسكو.
وفي المقابل، ترى كندا أن حماية سيادتها في الشمال لم تعد خياراً مؤجلاً، بل أولوية أمنية تتطلب شراكات جديدة واستثمارات أكبر في القدرات الدفاعية.
إنفاق دفاعي متزايد ورسائل ردع
رفعت كندا إنفاقها الدفاعي خلال السنوات الأخيرة حتى بلغت نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، تماشياً مع أهداف حلف الناتو، وذلك بعد سنوات من الانتقادات الأمريكية بشأن ضعف الإنفاق العسكري، كما تعمل أوتاوا على تعزيز وجودها البحري والجوي في الشمال، إلى جانب توسيع التعاون مع النرويج والدنمارك في مجالات الإنقاذ البحري والعمليات الطارئة.
ويؤكد خبراء أن الرسالة التي تسعى كندا ودول الشمال إلى إيصالها تتمثل في أن القطب الشمالي لن يبقى منطقة مفتوحة أمام النفوذ الروسي أو أي تحركات عدائية دون رد جماعي منسق.
بين الواقعية العسكرية والتحالفات الجديدة
على الرغم من هذا الانفتاح الكندي الواسع على شمال أوروبا، يرى مراقبون ومحللون استراتيجيون أن التخلي الكامل عن واشنطن ليس بالأمر الممكن، إذ تظل الشراكة الكندية-الأمريكية عبر قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (نوراد) بالغة الأهمية لحماية الأجواء، نظراً لامتلاك الجيش الأمريكي الأسلحة الأكثر تطوراً تاريخياً.
ومع ذلك، فإن النقلة النوعية الحالية تكمن في تحول المشاركة الكندية في مناورات الناتو بالقطب الشمالي من "مشاركة رمزية" إلى تنسيق عملياتي ولوجستي عميق ومباشر مع دول الجوار الشمالي، ويرتكز المنظور الكندي الجديد على مبدأ واقعي يعبر عنه قادة خفر السواحل: "نحن نتشارك ذات المياه والمناخ، ومن المنطقي جداً أن نتشارك الموارد مع الجار القريب في الشمال بدلاً من التطلع دائماً لطلب النجدة من الجنوب".
اقرأ أيضًا:
هل تقترب الولايات المتحدة من غزو كوبا عسكريًا؟












