في ظل ما تعيشه لبنان من حالة ترقب وسط تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب المستمرة مع إسرائيل، يستعيد لبنانيون عايشوا الحرب الأهلية اللبنانية قبل 1975-1990 مشاهد الانقسام الطائفي والعنف الذي سيطر على تلك المرحلة، مع تنامي المخاوف من اتساع رقعة الصراع داخليًا.
تصاعد الانقسام الداخلي في لبنان
وتأتي هذه المخاوف في ظل الحرب التي اندلعت في 2 مارس بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية المسلحة، والتي أسهمت في تعميق الانقسامات بين الحزب المدعوم من إيران ومعارضيه داخل الساحة اللبنانية، ما زاد من الضغوط على الدولة والمجتمع اللبناني.
وبينما يهدف وقف إطلاق النار المؤقت إلى تهيئة الأجواء لمفاوضات سلام بين لبنان وإسرائيل، وسط استضافة الولايات المتحدة لجولة ثانية من المحادثات يوم الخميس، يواجه هذا المسار انتقادات داخلية، في ظل رفض حزب الله القاطع لهذه المفاوضات، الأمر الذي يفاقم التباينات بينه وبين الحكومة اللبنانية.
من ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية
اندلعت الحرب الأهلية في لبنان في أبريل 1975، عقب تصاعد التوترات الطائفية والاقتصادية التي سرعان ما تحولت إلى مواجهات مسلحة بين مجموعات مسيحية ومقاتلين فلسطينيين، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل أطرافًا محلية وإقليمية ودولية.
وخلال سنوات الحرب، نزح ما يقارب مليون شخص من منازلهم، وهو رقم تجاوزته التطورات الأخيرة التي سجلت نحو 1.2 مليون نازح، فيما تحولت العاصمة بيروت إلى ساحة صراع مفتوح.
وشهدت تلك المرحلة أيضًا تدخلات خارجية، أبرزها الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1978 واحتلال شريط في الجنوب، إلى جانب الانتشار العسكري السوري في لبنان خلال الفترة من 1976 حتى 2005، وهو ما عاد ليُطرح في النقاشات السياسية خلال العام الماضي.
قال زياد صعب البالغ من العمر 68 عامًا، ، في حديثه لـ"رويترز"، إنه يستعيد مشاهد الحرب الأهلية اللبنانية كلما تابع تطورات القصف الأخير، مشيرًا إلى أن بعض المناطق المستهدفة اليوم تعرّضت لهجمات مماثلة في ثمانينيات القرن الماضي.
يؤكد صعب، الذي قاتل سابقًا إلى جانب الحزب الشيوعي اللبناني ويترأس حاليًا منظمة “مقاتلون من أجل السلام” التي أسسها مقاتلون سابقون، أن الانقسامات الداخلية التي شكّلت أساس الحرب لم تتم معالجتها بشكل كامل حتى اليوم، محذرًا من مخاطر تكرار التجربة.
انقسام سياسي حول دور حزب الله
تأسس حزب الله عام 1982 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وظل يحتفظ بسلاحه بعد انتهائها، قبل أن يوسع ترسانته ونفوذه السياسي عقب الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. وشهدت السنوات اللاحقة توترات واشتباكات داخلية متفرقة، أبرزها في عامي 2008 و2021، في ظل تصاعد الخلافات حول دور الحزب وسلاحه داخل الدولة اللبنانية.
وبعد حرب 2024 مع إسرائيل التي أضعفت قدرات الحزب بشكل ملحوظ، أعلنت حكومة لبنانية جديدة مدعومة من الولايات المتحدة التوجه نحو نزع سلاحه، بالتوازي مع تحركات تدريجية للقوات اللبنانية لمصادرة بعض مخزونه، وسط مخاوف من انفجار مواجهة داخلية.
وفي سياق التصعيد الذي اندلع الشهر الماضي، بعد إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل دعمًا لإيران، انقسم الموقف الداخلي في لبنان، حيث حمّلت أطراف سياسية الحزب مسؤولية إدخال البلاد في جولة جديدة من الصراع، فيما وُجهت انتقادات أيضًا إلى البيئة الحاضنة له من الطائفة الشيعية.
في المقابل، عبّر عدد من أبناء الطائفة الشيعية، الذين تحملوا تداعيات المواجهات مع إسرائيل، عن شعور متزايد بالتهميش، معتبرين أن الدولة قصّرت في حمايتهم، بينما وصف بعض النازحين جراء الغارات الإسرائيلية مسؤولين لبنانيين كبارًا بأنهم “خونة”، وفق ما نقلته رويترز.
قال المصور اللبناني باتريك باز، في حديثه مع " رويترز" إن الانقسامات بين فئات الشباب في لبنان تعزز المخاوف من احتمال انزلاق البلاد إلى صراع داخلي جديد، مشيرًا إلى مشاهد حديثة لمسلحين خلال جنازة سياسي مسيحي قُتل في غارة إسرائيلية، أطلقوا خلالها النار في الهواء تعبيرًا عن الغضب من حزب الله.
وأوضح باز، الذي بدأ عمله خلال السنوات الأولى للحرب الأهلية وقضى شبابه في توثيقها، أن التوترات السياسية تمتد أيضًا إلى الجامعات، التي تعكس في نظره الانقسام القائم في المجتمع اللبناني.
اتفاق هش دون حلول جذرية
أثار إعلان وقف إطلاق النار المؤقت الأسبوع الماضي ارتياحًا واسعًا بعد أكثر من خمسة أسابيع من الغارات الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل نحو 2300 شخص.
غير أن الاتفاق لا يزال يترك ملفات أساسية دون معالجة، إذ لا ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ولا يتضمن بندًا صريحًا بشأن نزع سلاح حزب الله. كما يفتح الاتفاق الباب أمام احتمالية انطلاق مسار تفاوضي بين بيروت وتل أبيب، وهو ما يواجه رفضًا من أطراف سياسية وشعبية لبنانية متعددة الطوائف.
من جانبه، وصف دبلوماسي يعمل في لبنان التطورات الراهنة بأنها “وصفة مفصلة للمواجهة الداخلية”، في ظل تصاعد التحذيرات من هشاشة المشهد السياسي والانقسامات العميقة في البلاد.
وقال رفيق بازرجي، الذي كان شخصية بارزة في جماعة مسيحية مسلحة خلال الحرب الأهلية، إن أي تسويات لا تستند إلى أسس متينة قد تعيد إنتاج التوترات، مستشهدًا باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب دون تطبيق كامل، إلى جانب مسار نزع سلاح حزب الله الذي لا يزال غير مكتمل.
وفي حديثه لرويترز، أشار إلى قلقه من تصاعد الانقسامات المرتبطة بملف حزب الله وإسرائيل، محذرًا من احتمال تحولها إلى مواجهات عنيفة، ومؤكدًا أن الجيل الجديد مختلف عن جيل الحرب الأهلية، مؤكدًا أن تجنب الانزلاق إلى العنف يبقى الخيار المفضل.
اقرأ أيضًا:
تراجع ترامب أمام إيران.. مناورة سياسية أم مؤشر ضعف؟
لماذا غيرت اليابان سياستها السلمية لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية؟
بعد تمديد الهدنة.. كيف تبدلت لهجة ترامب تجاه إيران في الأيام الماضية؟













